سورة الكهف ومنهج التزكية (١٥) إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها (١)
سورة الكهف ومنهج التزكية (١٥)
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها (١)
الحمد لله جاعل ما على الأرض زينة لها...
والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاة وسلاما ليس لها منتهى...
وبعد؛
يقول الله عز وجل في سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا٧ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا(٨)﴾ [الكهف: ٧-٨]
۞ فمما يستفاد من الآيتين الكريمتين معانٍ؛ نذكر منها اليوم واحدا –إن شاء الله-:
وهو: أى إنا زَيَّنَا وجه الأرض ابتلاءً واختبارًا، ثم بَيَّنَا أنها في عُرْض الفناء، ووشك الزوال؛ لننظر أيهم أزهد فيها وأرغب في الآخرة، كما قال الله عز وجل في وصفها: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(٢٤)﴾ [يونس: ٢٤]...
وهذا المعنى قد رواه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ»...
۞ قال الإمام أبو الحسن القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: ( أَيْ: طَيِّبَةٌ مُزَيَّنَةٌ فِي عُيُونِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالْخَضِرَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ النَّاعِمَ خَضِرًا، أَوْ لِتَشَبُّهِهَا بِالْخُضْرَوَاتِ فِي سُرْعَةِ زَوَالِهَا.
«وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا» أَيْ: جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ فِي الدُّنْيَا.. أَيْ: أَنْتُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوُكَلَاءِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ﴿فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ(١٢٩)﴾ أَيْ: تَتَصَرَّفُونَ، أَوْ مَعْنَاهُ جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَقَدْ أَعْطَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ إِيَّاكُمْ فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْتَبِرُونَ بِحَالِهِمْ وَتَتَدَبَّرُونَ فِي مَآلِهِمْ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (الِاسْتِخْلَافُ: إِقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ الدُّنْيَا مُزَيَّنَةً لَكُمُ ابْتِلَاءً، هَلْ تَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟ أَوْ تُسْخِطُونَهُ وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِغَيْرِ مَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟)
«فَاتَّقُوا الدُّنْيَا» أَيْ: احْذَرُوا مِنَ الِاغْتِرَارِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ، فَإِنَّهَا فِي وَشَكِ الزَّوَالِ، وَاقْنَعُوا فِيهَا بِمَا يُعِينُكُمْ عَلَى حُسْنِ الْمَآلِ، فَإِنَّهُ لِحَلَالِهَا حِسَابٌ وَلِحَرَامِهَا عَذَابٌ.
«وَاتَّقَوُا النِّسَاءَ» أَيْ: احْذَرُوهُنَّ بِأَنْ تَمِيلُوا إِلَى الْمَنْهِيَّاتِ بِسَبَبِهِنَّ، وَتَقَعُوا فِي فِتْنَةِ الدَّمِ لِأَجْلِ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ «فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» أَيْ: فِي شَأْنِهِنَّ وَأَمْرِهِنَّ،
وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: احْذَرُوا أَنْ تَمِيلُوا إِلَى النِّسَاءِ بِالْحَرَامِ وَتَقْبَلُوا أَقْوَالَهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ لَا خَيْرَ فِي كَلَامِهِنَّ غَالِبًا.
وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا أَضَرُّ مَا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْبَلَايَا، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ: اتَّقَوُا الدُّنْيَا وَاتَّقَوُا النِّسَاءَ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ طَلَّاعٌ رَصَّادٌ وَمَا هُوَ بِشَيْءٍ مِنْ فُخُوْخِهِ بِأَوْثَقَ لِصَيْدِهِ فِي الِانْقِيَادِ مِنَ النِّسَاءِ.) انتهى من المشكاة
۞ فقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(٧)﴾ [الكهف: ٧] هذا في مرأى الأبصار، حسنة المنظر، مزينة في العيون، آخذة بمجامع القلوب، يعجب الناظرين لذتها ونضارتها، حلوة المذاق صعبة الفراق، ثم جَلَّى حقيقتها في مرأى البصائر بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا(٨)﴾ [الكهف: ٨] للتحذير منها والتنفير عنها، فإن العاقل لا يضيع ثمرة عمره، ورصيد أنفاسه في اللهث ورائها لعلمه بسرعة فنائها، واستحالة بقائها، بل يتعاطى منها ما تدعو إليه الحاجة منها، وما يستعين به على بلوغ المنزل الحق في دار الخلد... ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ(٧٩) وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗاۚ وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ(٨٠)﴾ [القصص: ٧٩، ٨٠]
﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(٧٣)﴾ [طه: ٧٣]
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى(١٣١)﴾ [طه: ١٣١]
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ(٦٠)﴾ [القصص: ٦٠]
﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(٣٦)﴾ [الشورى: ٣٦]
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(١٧)﴾ [الأعلى: ١٦-١٧]
فكيف يؤثر العاقل ما هو لا خير ولا أبقى على ما هو خير وأبقى!
وقد قال رسول الله ﷺ: « وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا».
ثم إن الله ضرب للمنغمسين في لذتها أمثالا فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(١٢)﴾ [محمد: ١٢]... فمن استكثر منها أهلكته؛ كالبهيمة إذا أكثرت من رعي الزرع الأخضر أهلكها، ففي تشبيه لحالهم بحال الأنعام إشارة إلى أن المستكثر منها كالبهائم، فعلى العاقل القَنَعُ بما تدعو إليه الحاجة منها، وتجنب الإفراط والتفريط في تناولها فإنه جحيم التكاثر، وليجعل ما وهبه الله من زهرتها بلاغا له إلى حسن المآب.
فمن نظر إليها بعين بصره صحبها صحبة البهائم، ورتع فيها كالبهم السوائم، لا يرعى حق ربه، ولا يسعى لنجاة نفسه..حتى إذا ما نزل به نازل الموت..تجرع الحسرات لفاجعة الفوات، وسرف اللذات والشهوات، وأنى له الذكرى؟!..هيهات هيهات...
ومن نظر إليها بعين بصيرته علم أنها محض قنطرة، لا لجمع القناطير المقنطرة، فاغتنم فيها فرصته، ولم يُثْنِهِ عن السفر شُقَّتَه ولا مَشَقَّتَه... وأَنَّى لَهُ؟!.. والله هو الصاحب في السفر...
فاللهم يا من هو الصاحب في الحضر والسفر
نسألك بالصلاة والسلام على خير البشر
أن تصحبنا اللهم في سفر دنيانا بنصحك
وأن تزودنا فيه البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى
اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده
اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر.. وكآبة المنظر
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد
والحمد لله رب العالمين
Comments
Post a Comment