سورة الكهف ومنهج التزكية (١٤) خطر الأثر
سورة الكهف ومنهج التزكية (١٤)خطر الأثر
الحمد لله الواحد القهار، مُقَدِّرِ الأَقْدَار، ومحصي الأفعال والآثار...
والصلاة والسلام على سيد الأبرار، صادق الأخبار، رحمة الله للعالمين، واضع الأغلال والآصار...
وبعد؛
۞ فقد قال الله عز وجل لنبيه ﷺ في سورة الكهف ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا(٦)﴾...
وقال في الشعراء ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ(٣)﴾
والآيتان تصوران الأثر النفسي للنبى ﷺ جراء عدم إيمان قومه، ولكن من الفوارق بين الآيتين: أن آية الكهف تصور حالة النبى ﷺ تبعا للآثار المترتبة على كفر من كفر، وآية الشعراء تصورها بما يتعلق بذوات الكافرين.
وكل آية تتناسب مع سياق سورتها؛ فسورة الشعراء تبين عواقب المكذبين، وأخذ الله لهم، وقطع دابرهم؛ لذا كان المطلع متعلق بذواتهم ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ(٣)﴾.
أما سورة الكهف فتعلق سياقها ببيان الآثار المترتبة على الأفعال والأقوال، ويتضح هذا المعنى لائحا في أول آيات السورة المنبئة عن وصف أثر القرآن بانتفاء العوج عنه؛ فقوله تعالى ﴿وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ(١)﴾ أى: لم يجعل له أثرا معوجا، ولا ريب أن انتفاء العوج عن الأثر مشير إلى انتفاء العوج عن الذات المترتب عليها ذلك الأثر.
والأثر: هو بقية الشىء تتبعه، ولابد أن يكون أثر الشىء من مادة الشىء، ومن شكله، وجنسه.
۞ فالقرآن الكريم له أقوى أثر للحق –بركة ونورا ورحمة وهداية وكرما وبشارة-؛ لأنه القول الحق من الله الحق، وهو المنهج الذي يتسق ويتفق ويتلائم مع الكون المخلوق بالحق، لذا كان الاعتصام بالحق موجب لفتح بركات السماوات والأرض ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]...وهو أحد معاني وصف القرآن ﴿قَيِّمٗا﴾ أى تستقيم به الحياة بكل تفاصيلها.
ويأتي في مقابلة هذا الحق وأثره – قول من قال اتخذ الله ولدا؛ ليمثل أشد صور قول الباطل التي يترتب عليها أشأم أثر وأشنعه؛ وهو دمار الكون علويه وسفليه.. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا(٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا(٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ
وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا(٩٠)﴾ [مريم: ٨٨-٩٠] ..
۞ ومن هنا يتضح وجه جديد من أوجه التناسب بين آيات مطلع السورة بعضها مع بعض؛ فالقرآن هو الحق الذي له أقوى وأجلى آثار الخير، وادعاء الولد هو الباطل الذي له أفسد وأشأم آثار الشر.
وبهذا تتبين الصلة بين هذا الادعاء الباطل وما بعده من قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا(٦) إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا(٧) وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا(٨)﴾ فإن رسول الله ﷺ بما جبله الله عليه من الرأفة بالخلق، والرحمة لهم، والشفقة عليهم، والرغبة في إصلاحهم، وجلب الخير لهم؛ لا شك سيتألم غاية الألم ويأسف غاية الأسف لآثار الفساد المترتبة على ادعائهم الباطل في جنب الله –إذ أنه إمام المرسلين المصلحين ﷺ – لذا عطف الله مسليا نبيه ﷺ بأن ما على الأرض من زينة صائر قدرا حتميا إلى زوال، منقلب إلى صعيد جرز؛ فآثارهم ستنقطع حتما مقضيا، ولن يبقى إلا الحق وأثار الحق في اليوم الحق؛﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا(٨٤)﴾ [مريم: ٨٤].
وكذلك توضح السورة أهمية الأثر من خلال قصصها:
فاعتزال فتية الكهف لقومهم كان له عظيم الأثر في إيمان أمة جاءت بعدهم بثلاث مئة وتسع سنين..
وكذلك يتضح أثر الكفر وعاقبته على صاحب الجنتين وجنتيه..
وكذلك في خبر الخضر وآثار الخير المترتبة على فعله من حفظ سفينة المساكين من الغصب، وحفظ دين الوالدين من رهق الطغيان والكفر، وإبدالهما خيرا من الغلام زكاة وأقرب رحما، وحفظ كنز اليتيمين من نهب أهل القرية؛ بل إن الخضر ما لقب بالخضر إلا
لأجل أثره؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ» (صحيح البخاري)..
لأجل أثره؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ» (صحيح البخاري)..
وكذلك في أثر يأجوج ومأجوج الفاسد في الأرض، في مقابلة أثر ردم ذي القرنين الصالح..
والشريعة تجلي أهية الأثر في نفوس أتباعها:
۞ فيقول رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (صحيح الإمام مسلم).
۞ بل كان رسول الله ﷺ يتعوذ من انقطاع الأثر فيقول «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» فمتى انقطع أثر العلم –الذي هو النفع- كان وبالا على صاحبه، وهدرا لثمرة عمره، ومتى قسى القلب انتفت عنه آثار الذكرى التي هى الخشوع، وكذلك النفس التي لا تثمر فيها العطايا أثر الشبع تكون حطمة على صاحبها، والعبد إنما يدعو ربه ليرى أثر الإجابة؛ فإذا حيل بينه وبين الإجابة كان عمله خسرا.
۞ وهذا المعنى تعرضه السورة لتصحيح الصورة في المثل المضروب للحياة الدنيا وزينتها من مال وبنين تنقطع عن المرء آثار زخرفه وبهرجه.. في مقابلة ما لا يزول أثره من الباقيات الصالحات التي هى خير عند الله ثوابا وخير أملا.. مع ما تشير إليه لفظة ﴿أَمَلٗا﴾ من الأثر الممتد...
۞ وكذلك تأتي خاتمة السورة ببيان حال هؤلاء الذين لم يحصل لهم الأثر المرجو من أسماعهم وأعينهم ﴿وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا(١٠٠) ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا(١٠١)﴾، وكذلك بهؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا ليفجأهم ويفجعهم يوم القيامة حبوط أعمالهم الذي هو أشد صور انقطاع الأثر –ولات حين مندم-.
أهمية الأثر:
ثم إن السورة القيمة تعرض لونا من ألوان أهمية الأثر في الهدى - المتمثل في خبر موسى عليه السلام من قوله تعالى:﴿فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا(٦٤)﴾؛ فلا اهتداء بلا أثر، ولذا سميت نصوص الشريعة آثارًا، ودائما يقطع الله لدد المبطلين وجدلهم بالمطالبة بالأثر ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(٤)﴾ [الأحقاف: ٤].. ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ٣٧﴾ [القلم: ٣٧].. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(١٤٨)﴾ [الأنعام: ١٤٨] ...
لطيفة:
ولما كان الأثر محوريا في سورة الكهف؛ كان من أثر تلاوتها أن تنير لصاحبها زمانا من الجمعة إلى الجمعة، ومكانا من موضعه إلى البيت العتيق.
وكذلك كان لها عظيم أثر الخير في الحرز من أشر فتن الشر ألا وهى فتنة الدجال.
فاللهم إنا نسألك بحمدك ونتوسل إليك بالصلاة والسلام على نبيك وعبدك
أن تبارك برحمانيتك أعمالنا وأعمارنا وآثار ما تفضلت به علينا من الحسنات
وأن تمحو اللهم بواسع عفوك وسابغ كرمك ذنوبنا وآثار ما اقترفناه من السيئات
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد طيب الأثر
والحمد لله رب العالمين
Comments
Post a Comment