سورة الكهف ومنهج التزكية (١٢) تزكية المعتقد (٣) مضامين السورة ومطلع النذارة

 سورة الكهف ومنهج التزكية (١٢)
تزكية المعتقد (٣)
مضامين السورة ومطلع النذارة

 
الحمد لله.. له الأسماء الحسنى.. والوصف الأسمى.. ذي العز الأحمى..
والصلاة والسلام على نبينا محمد.. من فتح الله به أعينا عميا.. وقلوبا غلفا.. وآذانا صما..
وبعد؛

سؤال: ما العلاقة بين مضامين سورة الكهف ومطلعها بنذارة الذين قالوا اتخذ الله ولدا؟
الجواب –والله أعلم-:

إن الناظر في مواضيع سورة الكهف ومضامينها يجدها ترتكز على تقرير مشهدين: قدرة الله، ورحمته.
ولذا اسْتُفْتِحَ قصصُ السورة بإثبات قدرته سبحانه بقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا(٩) [الكهف: ٩]...

قال الشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن:

أي: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف، وما جرى لهم، غريبة على آيات الله، وبديعة في حكمته، وأنه لا نظير لها، ولا مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثير، من جنس آياته في أصحاب الكهف وأعظم منها، فلم يزل الله يري عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، ما يتبين به الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنما المراد، أن جنسها كثير جدا، فالوقوف معها وحدها، في مقام العجب والاستغراب، نقص في العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله، التي دعا الله العباد إلى التفكير فيها، فإنها مفتاح الإيمان، وطريق العلم والإيقان. انتهى

وقد اشتملت السورة كذلك على مشاهد رحمة الله وقدرته -جل وعلا- متمثلة في خبر صاحب الجنتين، وفي خبر الخضر مع نبى الله موسى عليهما السلام، وفي خبر ذي القرنين. 

السبب الرئيس في خلل عقيدة النصارى:

اعلم –رحمني الله وإياك- أن السبب الرئيس في حدوث الخلل في معتقد النصارى بربهم إنما نشأ لجهلهم بقدرة الله ورحمانيته، فقالوا: إن خطيئة آدم تستوجب الموت... وزعموا أنه لابد من كفارة تغفر بها الخطيئة، فأنزل الله ابنه الوحيد ليصلب، ولتكون الكفارة –بزعمهم-.

في حين أن الله قد غفر خطيئة آدم عليه السلام قبل إهباطه للأرض ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ(١٢١) ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ(١٢٢).

ولو أنهم آمنوا بمعنى القدرة على المغفرة مع معنى الرحمة؛ لكان رفع الخطيئة أمرا يسيرا.
وخصوصا أن الكفارة جاءت بصورة مأساوية.. يظهر فيها معنى الاضطرار الإلهي واضحا! ويغيب فيها معنى القدرة على مغفرة الذنب دون نزول ابن الله الوحيد وصلبه –بزعمهم-.

ولذا ستلاحظ أن السورة المسماة بسورة مريم هى أكثر سور القرآن التي ورد بها اسم (الرحمن)، لأن ادعاء أن الله أنزل ابنه الوحيد لخلاص البشر ورحمتهم يتناقض مع اسم الله (الرحمن)، لأن الرحمن اسم متعلق بالذات يدل على أن الرحمن هو مصدر الرحمة، وهو ما يتناقض مع زعم اتخاذ الرحمن ولدا ليرحم عباده بصلبه... ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا(٩٢) [مريم: ٩٢].

كما أن كون الله رحمانا يتناقض مع دعوى اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد لون من ألوان الاصطفاء والمحاباة والتخصيص لمجرد المولودية؛ لا بالمجازاة بالأعمال التي هى من لوازم العدالة الإلهية وحكمتها، ولذلك –والله أعلم- لم يعرض القرآن مشهد مساءلة نبى من الأنبياء يوم القيامة تفصيلا سوى عيسى عليه السلام ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ  قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ  تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ  وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ  فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ  وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ  وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ  لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا  رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ  ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(١١٩) [المائدة: ١١٦-١١٩] ليستبين أن الله لا يحابي أحدا من خلقه، بل المساواة والمحاسبة من مقتضيات العدل الإلهي ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(٩٣) [مريم: ٩٣]، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ  وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا٧ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ  وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا(٨) [الأحزاب: ٧-٨].

ثم إن قول عيسى في تلك المحاسبة ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ(١١٨) ناقض لدعوى اتخاذ الولد، فإن العزيز هو الذي لا يمتنع عليه شىء، ولا يتمكن منه شىء، فالعزة من لوازمها كمال القدرة، فقرن عيسى عليه السلام بين المغفرة واسمى (العزيز الحكيم)؛ ليدل على أن المغفرة بعزة أى: عن قدرة، وبحكمة أى: عن كمال العلم.
كما أن مشهد رفع عيسى عليه السلام إنما هو أثر من آثار عزة الله أى منعته لعباده أن يوصل إليهم.

بل إن مريم عليها السلام لما تمثل لها الملك رجلا ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا(١٨) [مريم: ١٨]،  فالاستعاذة إثبات لقدرة الله وعزته ( لأنها التجاء واحتماء به سبحانه إيمانا بقدرته على منع عبده من وصول مكروه إليه)، وكونها استعاذة بالرحمن لإثبات أن رحمانيته وصف ذات له سبحانه، لا يفتقر إلى سبب في إيصال رحمته إلى خلقه.
وهذه المعاني تكشف عن خطأ النصارى في زعمهم الكفارة بالصلب، لأن الصلب يتنافى مع قدرة الله على المغفرة، بل ويتناقض مع معنى العزة...فإنزال الابن الوحيد للصلب أمر في الأساس لا يُرْضِي الله؛ لذلك يكون إنزال هذا الابن قد فعله الله دون رضاه، وهذا هو معنى الاضطرار، وهو ما يتناقض مع العزة الإلهية، التي هى تمام القدرة.. والله قادر على أن يغفر خطيئة آدم دون أن يترك اليهود -وهم أعداؤه- ليصلبوا ابنه الوحيد!!!

كما أن المنطق يحكم بأن الفداء أو التضحية فعل يلجأ إليه العاجز عن تغيير الواقع بقوته، وهو ما يتناقض مع قدرة الله وعزته جل جلاله.

وإذا كانت الكفارة بصلب المسيح رحمة للبشر؛ فأين الرحمة بالمسيح؟! 
لكن الكتب المحرفة تذكر أن الله لم يشفق على ابنه، فقد جاء في إنجيل يوحنا –بزعمهم- (لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد؛ لكى لا يهلك كل من يؤمن به)
فهل أحب الله العالم أكثر من ابنه الوحيد؟!!
ومن عبارة (بذل ابنه الوحيد) يتجلى معنى الاضطرار المتناقض مع معنى القدرة والعزة.

ومن هنا جاءت مشاهد سورة الكهف بين القدرة والرحمة لإثبات عوج ما عليه معتقد الذين قالوا اتخذ الله ولدا، وتقريرا لجهلهم المبين بالله جل جلاله ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ  كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ  إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا(٥) [الكهف: ٥]
 
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا(١٧١)[سورة النساء:١٧١]

 

Comments

Popular posts from this blog

سورة الكهف ومنهج التزكية (١) الحمد على الكتاب

لطيفة في الدلالة المعنوية لرسم اللفظ القرآني (صاحبه)

القرآن بين الفطر والأضحى