سورة الكهف ومنهج التزكية (١١)
تزكية المعتقد (٢)
ادعاء الولد وعقيدة العوج
الحمد لله الذي أنزل القرآن منهاج تهذيب..والصلاة والسلام على نبينا محمد ذي الهدى القَشِيب، ناقض الصليب..
وبعد؛
فقد حددت مقدمة سورة الكهف أهدافا ثلاثة لتنزيل الكتاب:
١. الإنذار العام الشديد من عذاب الله سبحانه.
٢. بشارة المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالأجر الحسن والنعيم المقيم.
٣. الإنذار الخاص لأصحاب بدعة ادعاء الولد.
وقد واجه القرآن المجيد هذا الادعاء الباطل بنفى وإثبات: نفى أن يكون للقرآن عوج، وإثبات قيوميته ﴿وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ(١) قَيِّمٗا﴾.
ونفى العوج دليل على الاستقامة، والقرآن هو الصراط المستقيم المؤدي إلى الله سبحانه.
وقيومية القرآن تتمثل في هيمنته على ما سبقه من الكتب، وهذه الهيمنة متضمنة لحتمية امتداده إلى قيام الساعة، وفي إطار هذه الهيمنة يقول رسول الله ﷺ: « أعطيت مكان التوراة: السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور: المئين، وأعطيت مكان الإنجيل: المثاني، وفضلت بالمفصل »
ولما كان السبع الطوال مكان التوراة.. قال رسول الله ﷺ: «من أخذ السبع من القرآن فهو حبر».
لذا فإن الترتيب المصحفي للقرآن الكريم قد عالج هذه القضية من حيث هيمنة هذا الكتاب على كل ما سبق من الكتب وإثبات حتمية امتداده الزمنى إلى قيام الساعة، وهو مما يشهد لكون هذا الترتيب الذي بين أيدينا لسور القرآن الكريم توقيفيا لا دخل لعمل البشر فيه.
أما ترتيب القرآن التنزلى:
فعلى مستوى هذا الترتيب تأتي المقارنة المنهجية بين السور المكية والسور المدنية التي عالجت قضية المسيح بصورة جوهرية..
حيث نزل في مكة: الإسراء والكهف ومريم والزخرف.
بينما نزل في المدينة: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والتوبة.
۞ والملاحظ على السور المكية عرضها للقضية من الزاوية العقدية، وتفنيد الافتراءات التي طالت القضية من مختلف الأطراف، بلغة تتألف القلوب وترققها، دون محاباة في العقيدة أو مجاملة على حساب الحق.
۞ بينما عرضت السور المدنية القضية من خلال الزاوية الواقعية لأهل الكتاب، ببيان حكم من آمن منهم بنبينا صلى الله عليه وسلم ومن لم يؤمن، والكشف عن الدوافع التي حملتهم على بطر الحق والكفر بالرسول ﷺ، مع التحليل المنهجي لواقعهم والأسلوب الأمثل في التعامل مع هذا الواقع.
والحكمة من هذا التدرج:
كون التنزيل المكي مزيلا للشبه التي أحاطت بعقيدتهم، ولتجلية الحق لهم بوحدانية الله، ودحض كل ما نسبوه إلى الله من افتراءات رجاء إيمانهم ورجوعهم إلى الصراط المستقيم، وقد أسلم نتيجة هذا الأسلوب حبر اليهود وعالمهم: عبد الله بن سلام، وفيه نزلت ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾[الأحقاف: ١٠].
وبإسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه تطور موقف كفار أهل الكتاب إلى حالة العداء المستبطن حينا والسافر أحيانا.. حسب حال المسلمين قوة وضعفا.
فترتب عليه نزول ما نزل مدنيا باعتبار بيان حكم الله فيهم، وأحكام معاملتهم ما بين مسالم ومحارب، مع كشف الدواعي التي حملتهم على جحد الحق المتمثل في رسول الله ﷺ والقرآن المنزل عليه.
وحتى نفهم كيف عالج القرآن هذه الفرية –فرية ادعاء الولد- لابد من فهم معنى الصليب وعلاقة إبليس به في مقابلة معنى الصراط المستقيم:
۞ يقول الشيخ رفاعي –رحمه الله تعالى- في مقال بعنوان (إبليس والصليب):
تفسير العلاقة بين إبليس والصليب لا يكون إلا بفهم معنى الصليب.. الصليب وثن.. هذا ما قاله رسول الله ﷺ.
فعن عَدِيّ بن حاتم قال: (أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: « يا عدىّ! اطرح هذا الوثن من عنقك» قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} قال: قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال: «أليس يُحرِّمُون ما أحل الله؛ فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله؛ فتحلونه؟!» قال: قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم»).
ومعنى الصليب -كشكل- يفسره قول الله عز وجل: {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: ١٦]، وهذا المعنى يكمن في العلاقة بين الصليب والصراط.. ونبدأ بهذا الحديث.. عن عبد الله قال: (خط لنا رسول الله ﷺ يومًا خطًّا، فقال: « هذا سبيل الله» ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطًا، فقال: « هذه سُبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها» ثم قرأ هذه الآية: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}).
فإذا كان رسول الله ﷺ قد رسم خطًّا ليعبر عن معنى صراط الله المستقيم في تفسير هذه الآية.. فإن التعبير عن قول الله عز وجل: {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] سيكون برسم خطٍ مستقيمٍ يمثل صراط الله المستقيم، وخطٍّ يقطعه ليمثل كلمة {لأقعدن} أي: لأقطعن.. ليكون الشكل النهائي: خطًّا يقطعه خطّ، وهو الصليب..! الذي يمثل الصورة الرمزية لقعود إبليس للناس على صراط الله سبحانه وتعالى.
ولكن قطع إبليس لصراط الله المستقيم ليس له أثر على حقيقته عند الله، ولكن القطع أمرٌ متعلق بالبشر الذين أضلهم إبليس؛ ولذلك أثبت القرآن حقيقة الصراط بعد قَسَم إبليس بإضلال البشر؛ لتكون حقيقة الصراط بعد قسم إبليس هي عجزه عن إضلال عباد الله المخلصين، وإدخال الضالين من البشر إلى الجحيم: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ(٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ(٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ(٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ(٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ(٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ(٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ(٤٤)﴾[الحجر: ٢٨-٤٤]، فيصبح الصليب رمزًا جوهريًّا لمن اتبع إبليس من الغاوين في جميع الوثنيات، ابتداءً بالفرعونية التي كان يُعبَّر فيها عن الصليب بمفتاح الحياة.. وانتهاءً بالنصرانية المحرَّفة التي تَعتبر هذا الرمز الفرعوني إرهاصة تاريخية للصليب الذي يعبدونه، حتى أطلقوا على صليبهم نفس اسم الصليب الفرعوني.. «مفتاح الحياة».
ومن الغريب حقًّا: أن يعتبر النصارى أن هذا الشكل الفرعوني دليلًا على الجذور التاريخية للصليب !! دون أي حساسية من الوثنية الفرعونية الواضحة التي يكون الإله فيها هو (الجعران يلعب بروثه!) ويلبس الناس فيها على وجوههم أقنعة القطط والكلاب!! ولكن إبليس لم يتوقف بالصليب عند هذا الحد الرمزي، بل زاده وضوحًا، وذلك عندما قذف في عقول النصارى أن المكان الذي صُلب عليه المسيح -حسب بدعتهم- هو المكان الذي دُفن فيه آدم، ويسمونه (الجلجثة) وهي كلمة آرامية معناها: الجمجمة «أي: جمجمة آدم» وبذلك يؤكد إبليس على معنى الخط المقطوع، وهو الصراط الذي ترسمه حياة جميع الأنبياء، ابتداءً من آدم عليه السلام، ومن هنا قال الإمام السيوطي: {صراط الذين أنعمت عليهم}: أي طريق الأنبياء، {غير المغضوب عليهم} قال: اليهود، {ولا الضالين} قال: النصارى.
ووسوسة إبليس إلى النصارى بفكرة «الجلجثة» تؤكد الدلالة المطلوبة من البدعة، وهي أن الصليب رمز لقطع صراط الله المستقيم؛ أي: طريق الأنبياء ابتداءً من آدم عليه السلام، ومن هنا أصبح الصليب عند إبليس هو الشكل المقابل لصراط الله بكل صفاته.. فكما ارتبطت عبادة الله بطلب الهداية إلى الصراط المستقيم كما في الفاتحة التي تقرأ في كل صلاة.. ارتبطت عبادة النصارى بالصليب دون التفكير في هذه العبادة التي لم تَرِدْ قطعًا عن المسيح في حياته؛ لأنه لم يكن -بحسب زعمهم- قد صُلب بعد!
وبتفسير معنى الصليب يأتي الإحساس الشرعي الواجب تجاه هذا الشكل، حيث تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله ﷺ كان لا يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلا قضبه). وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليبًا أغمض عينيه عنه، وقال: لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح السب!
ولكن إثبات أن الصليب هو الشكل التعبيري عن قطع الصراط يمثل جانبًا من القضية، أما الجانب الرئيسي فيها فهو إثبات العلاقة التناقضية بين شكل الصليب بمعناه وعيسى ابن مريم، الأمر الذي يتطلب تفسير العلاقة بين عيسى ابن مريم وحقيقة الصراط: فالصراط هو الطريق المؤدي إلى الله.. وله معالم يهتدي بها السائرون فيه،
وأهم هذه المعالم: رسل الله: ﴿يس(١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ(٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ(٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(٤)﴾ [يس: ١-٤].
وكذلك كان الارتباط بين عيسى بن مريم والصراط من خلال حقيقة الآخرة: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(٦١)﴾ [الزخرف: ٦١]، وفي هذه الآية جمع الله بين محمد ﷺ وعيسى عليه السلام والصراط في آية واحدة، فكلمة: {واتبعون} تعود إلى محمد ﷺ.. إثباتًا للارتباط بين محمد ﷺ وعيسى عليه السلام، ومعنى الصراط: باعتبار أن الآخرة هي منتهى الصراط.. وأن عيسى عليه السلام عَلَم على الساعة.. ودليل على قرب وقوعها. واعتبار أن الصراط هو صراط الذين أنعم الله عليهم كما قال الله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: ٧]، وأن الذين أنعم الله عليهم هم كما قال الله: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء: ٦٩]. وبهذين الاعتبارين جاء تفسير الصراط: عن أبي العالية: (الصراط المستقيم.. رسول الله ﷺ وصاحباه من بعده) قال عاصم: فقلت للحسن: إن أبا العالية يقول: (الصراط المستقيم.. رسول الله ﷺ وصاحباه) قال: صدق ونصح، وكذلك روى الحاكم عن ابن عباس مثله.
وبهذا العرض لمعنى الصليب يتبين الارتباط بين استقامة القرآن وقضية نفى الولد؛ ليثبت أن ادعاء الولد هو أقصى صور العِوَج التي ينتفي بها معنى استقامة الصراط.
ومنهم محمد ﷺ: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(٤٣)﴾ [الزخرف: ٤٣].
ومنهم عيسى ابن مريم عليه السلام.. الذي كان له ارتباط خاص بحقيقة الصراط أثبته القرآن في عدة مواضع، منها قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(٣٦)﴾ [مريم: ٣٤-٣٦].
فجمعت الآيات قضية عيسى ابن مريم، وفي نهايتها جاء القول الفصل: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(٣٦)}.. دليلًا على أن قضية عيسى عليه الصلاة والسلام هي من مضمون الصراط المستقيم.
وكذلك قال الله عز وجل على لسان عيسي عليه السلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(٥١)﴾ [آل عمران: ٥١]
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(٦٤)﴾ [الزخرف: ٦٤].
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد
والحمد لله رب العالمين
(جميع مادة هذا المجلس مستقاة من كتاب المسيح ومقال إبليس والصليب، وكلاهما للشيخ الملهم: رفاعي سرور –رحمه الله تعالى)
Comments
Post a Comment