سورة الكهف ومنهج التزكية (٨) الحمد في الآخرة
سورة الكهف ومنهج التزكية (٨)الحمد في الآخرة
الحمد لله في الأولى والآخرة...
والصلاة والسلام على شفيع الساهرة...
وبعد؛
فما أعظمَ تجليات الحمد في مشهد الآخرة، حتى إن الناظر في نصوص الوحى ليرى أن الحمد هو عماد اليوم الآخر نشرا وحشرا وفصلا وحسرة وبِشْرا.
وسورة الكهف -وهى مستفتحة بالحمد- قد اشتملت على أكثر من مشهد من مشاهد الآخرة، والسؤال: ما علاقة الحمد بالآخرة، وما وجه التلازم بينهما؟
نظرة في تقرير معنى الحمد من خلال سورة سبأ:
سبق ذكر تعريف الحمد بأنه اعتراف الحامد بكمال المحمود والانقياد لعظمته طواعيةً وحبًّا.
وقد استفتحت سورة سبأ بهذا اللون من ألوان الحمد الذي يشير إلى كمال المحمود وتمام الانقياد له وتعظيمه؛
فقال جل جلاله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(١)﴾[سبأ: ١]، وبفهم معنى الحمد المتقدم سترى أن سورة سبأ تدور على تقرير هذا المعنى...
۞ ففي مطلعها بيان دقة الإحصاء وكمال صفة المراقبة المستوجبة لعدالة الجزاء يوم القيامة ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ(٣) لِّيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٌ وَرِزۡقٌ كَرِيمٌ(٤) وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ(٥)﴾ وهذه العدالة من مقتضيات الحمد وموجب من موجباته.
۞ وهذا المعنى هو ما أشارت إليه الآية بعدها بنسبة الصراط إلى العزيز الحميد من قوله سبحانه ﴿وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ(٦)﴾ فالعزيز هو الذي لا يمتنع منه ولا عليه شىء؛ فينقاد كل شىء لعظمته وفق مشيئته، والحميد هو الذي يثيب المطيعين الحامدين الشاكرين، ولا يضيع أجر المحسنين.
۞ وفي ضوء معنى الحمد يأتي الوصف ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةً لِّكُلِّ عَبۡدٍ مُّنِيبٍ(٩)﴾ فالتحقق بوصف العبودية هو اعتراف بكمال المحمود، فعلى قدر تحقق العبد بأوصاف العبودية يكون هذا التحقق اعترافا منه بكمال معبوده الواحد جل وعلا، والمنيب هو المنقاد المذعن لعظمة سيده.
۞ ثم يأتي خبر داود وسليمان عليهما السلام تفسيرا لمعنى الحمد المتمثل في انقياد الجبال والطير والحديد والرياح والجن انقيادا يدل على كمال قهر المنقاد له وعزته سبحانه، ، وهو ما يتجلى به معنى ﴿صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ فالعزيز هو الذي لا يخرج شىء عن تسخيره، والحميد هو الذي يسخر هذه المسخرات للقائمين بحق حمده سبحانه مثوبة لهم.
۞ وفي مقابلة ذلك الحمد يأتي خبر إعراض سبأ عن شكر ربهم، فيتبدل ما هم فيه من رغد النعيم –الذي هو مظهر من مظاهر حمده- إلى ما ذكر من الجنتين ذواتى الأكل الخمط والأثل والشىء القليل من السدر –الذي هو مظهر من مظاهر عزه- دلالة على أن هذا الكون منقاد لخالقه، منصاع لأمره، معترف له بكماله وعزته وحمده، لذا ختم خبر سبأ بقوله سبحانه ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(٩١)﴾.
۞ ثم ثنى بذكر إبليس –عليه اللعنة- مشيرا إلى إضلاله بوصف الظن ﴿وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ(٠٢)﴾ نفيا لأن يكون له سلطان في هذا الوجود المعبد لله، وفي نفى سلطانه إثبات لانحطاطه وعجزه ونقصه، وهو ما سيعترف به الملعونُ في خطبته الجَهَنَّمِيَّة ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢].
۞ ثم تختتم سورة سبأ بمشهد اختصام المستضعين والمستكبرين، وحسرة فواتهم الحمدَ في الدنيا المتمثل في قول المستضعفين ﴿بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ﴾ وهذا القول يلوح باعترافهم يوم القيامة بكمال الله وجماله وجلاله، لذا سُمِّىَ يومُ القيامة بيوم الحسرة، لتحسرهم على فواتهم أعظم نعيم الدنيا الذي هو معرفة الله حمدا؛ المفضي إلى فوات أعظم نعيم الآخرة الذي هو النظر إلى جلال جمال وجهه الكريم جل وعلا، وذلك كقولهم ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(٧٩) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(٨٩)﴾ [الشعراء: ٧٩-٨٩]، بل سيفضي بهم المقام يوم القيامة إلى وصفهم شركائهم بالعدم لِمَا رأوا من كمال جلال الله وجماله ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ(٣٧) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ(٤٧)﴾[غافر: ٣٧-٤٧].
۞ وهذا هو أحد معاني الحمد –حمد الكافرين- في الآخرة، إذ اعترفوا بكمال الله وعظمته وحقيته سبحانه بأن ينقاد له ويُذْعَنَ ﴿وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۢ بَعِيدٍ(٢٥)﴾ أى وكيف لهم بتناول الإيمان والحمد وقد صاروا في مكان بعيد عن موضع التكليف ﴿وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۢ بَعِيدٍ(٣٥) وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكٍّ مُّرِيبِۢ(٤٥)﴾ لتلتقي خاتمة السورة بوصف ما كانوا عليه بريبة الشك مع ما جاء في مطلعها مقابلة بطمأنينة الحمد..
الآخرة ومشاهد الحمد:
١) الاستجابة بالحمد:
۞ ومن هنا كان أول مشاهد الآخرة الاستجابة لدعوة الله بالحمد ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ [الإسراء: ٥٢] إشارة إلى أن أشد الناس إنكارا للبعث وإلحادا فيه لا يسعهم إلا أن يستجيبوا بالحمد لدعوة الله عند قيام الساعة، معترفين بأن الله هو الإله الواحد المعبود المحمود في صفاته، راضين غير ساخطين، مطيعين غير متمردين، على خلاف ما كانوا عليه في الدنيا من ريب الشك وإنكار الحساب.
قال الإمام الرازي في مفاتيح الغيب: وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ تُجِيبُونَ وَالِاسْتِجَابَةُ مُوَافَقَةُ الدَّاعِي فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ وَهِيَ الْإِجَابَةُ إِلَّا أَنَّ الِاسْتِجَابَةَ تَقْتَضِي طَلَبَ الْمُوَافَقَةِ فَهِيَ أَوْكَدُ مِنَ الْإِجَابَةِ، وَقَوْلَهُ: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:
يَخْرُجُونَ مِنْ قبورهم وينفضون التراب عن رؤسهم وَيَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾، وَقَالَ قَتَادَةُ: بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَتَوْجِيهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُمْ لَمَّا أَجَابُوا بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ كَانَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مِنْهُمْ وَطَاعَةً وَلَكِنَّهُمْ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلِهَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ الْحَمْدُ، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: تَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ أَيْ تَسْتَجِيبُونَ حَامِدِينَ كَمَا يُقَالُ: جَاءَ بِغَضَبِهِ أَيْ جَاءَ غَضْبَانَ وَرَكِبَ الْأَمِيرُ بِسَيْفِهِ أَيْ وَسَيْفُهُ مَعَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : بِحَمْدِهِ حَالٌ مِنْهُمْ أَيْ حَامِدِينَ، وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي انْقِيَادِهِمْ لِلْبَعْثِ كَقَوْلِكَ لِمَنْ تَأْمُرُهُ بِعَمَلٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ سَتَأْتِي بِهِ وَأَنْتَ حَامِدٌ شَاكِرٌ، أَيْ سَتَنْتَهِي إِلَى حَالَةٍ تَحْمَدُ اللَّهَ وَتَشْكُرُهُ عَلَى أَنِ اكْتُفِيَ مِنْكَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ وَهَذَا يُذْكَرُ فِي مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ. –انتهى-
١) النبى محمد صلى الله عليه وسلم هو أول المستجيبين بالحمد لدعوة الحق يوم القيامة:
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرض" ووجه ذلك -والله أعلم- أنه لما كانت إجابة داعي الله يوم القيامة إجابةً بالحمد؛ كان أول مجيب للداعي هو أكملهم حمدا -وصفا وفعلا- وهو النبى صلى الله عليه وسلم الذي سماه الله أحمد ومحمد ، فهو اسم على الحقيقة، لذا كان هو أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة صلى الله عليه وسلم، لأنه أكمل الخلق انقيادا للمحمود الأعلى جل وعلا في الدنيا، فكان أول منقاد له بحمده في دعوة الآخرة، ولذا كان لواؤه لواءَ الحمد، فللناس يوم القيامة ألوية (رايات أو أعلام) ترفع على رؤوسهم يعرفون بها، فللغادر راية، وللكاذب راية، وللشيطان راية، وللحامدين راية يَرْفَعُ لواءَها نبىُّ الحمدِ صلى الله عليه وسلم «وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَلا فَخْرَ، آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي، وَلا فَخْرَ».
۞ وهاهنا معنى من معاني ذكرى الدار يفهم من خلاله حكمة شروع الحمد عند الاستيقاظ من النوم؛ ففي مسند الإمام أحمد بسند صحيح، عَنِ الْبَرَاءِ رضى الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ»، وذلك لأن النوم أخو الموت، ففي النوم مجانسة لحال الأموات، وفي الاستيقاظ مجانسة لحال البعث والنشور، فكان حمد العبد لله عند الاستيقاظ مجانسا لمشهد الاستجابة لداعي الله يوم القيامة بالحمد، ودليلا على يقظة العبد وعدم غفلته في جميع أحواله عن مشهد الآخرة؛ بل هو يستدل بدنياه على آخرته، ولا يرى الدنيا إلا بمنظور الآخرة، وهذا الإخلاص هو سر الاختصاص المشار إليه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ(٤٦)﴾ [ص: ٤٦]، وبنسيان هذه الذكرى ينسى العبد في نار الله الكبرى؛ كما قال سبحانه: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡ﴾.
وكذلك لما كان مسير العبد في الأرض مجانسا لمصيره إلى الله الحق ورجوعه إليه قال صلى الله عليه وسلم «وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» وبذلك لا يغيب داعي الحق عن قلب العبد حيال حركته وكدحه في الدنيا لاستحضاره بهذا الكدح أنه كادح إلى ربه وصائر بسيره إليه سبحانه، وهو معنى قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ(١٥)﴾ [الملك: ١٥].
۞ ومن أعظم مشاهد ذكرى الدار في الاستجابة بالحمد لله الواحد القهار – مشهدُ الصلاة، التي هى الفارقة بين الكفر والإيمان، فللصلاة نداء وأذان وداعٍ يدعو الخلق للاستجابة للحق (الله أكبر الله أكبر)، فالناكصون عن إجابته هنا هم المحرمون من إجابته هناك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ(٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] قال ابن عباس: هي أشد ساعة تكون في يوم القيامة.
وكونها أشد ساعة –والله أعلم- لكونها كانت أثقل ما تكون وأشد ما تكون على الكفار والمنافقين في دار الدنيا؛ كما وصفها الله سبحانه بقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ(٤٥)﴾.
وفي قوله تعالى ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ(٤٢)﴾ دلالة على رغبتهم في السجود وإقرارهم بحمده سبحانه لِمَا عاينوه من كمال جلاله وجماله جل وعلا.
ومن ثم فلا يسجد حينئذ إلا المؤمنون الذين كانوا في الدنيا يلبون ويجيبون نداء الحق للقيام بالحمد بين يدى الرب جل جلاله، مستحضرين ﴿أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ(٤) لِيَوۡمٍ عَظِيمٍ(٥) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ(٦)﴾.
فيدخولون في حرمه بالتكبير –اعترافا بكبريائه- ويستفتحون بفاتحة حمده؛ شهودا لكماله، وانقيادا لعظمته ومجده،
ولذا كانت سورة الحمد ركن الصلاة الأعظم –والله أعلم-.
٣) وبالحمد يبدأ الحساب والقضاء:
ففي الحديث أن الخلق يفزعون إلى من يفزعون من الأنبياء يطلبون الشفاعة لبدء الحساب لأجل ما تغشاهم من هول المحبس في أرض المحشر، حتى يأتوا النبى صلى الله عليه وسلم فيقول : أنا لها؛ فيأتي العرشَ، ويخر ساجدا، ويحمد الله بمحامد لم يُحْمَدْ بها من قبل ولا من بعد، تكون هذه المحامد هى المقاليد التي يُسْتَفْتَحُ بها، ويأذن الله لأجلها في بدء الحساب.
ولما كان النبى صلى الله عليه وسلم هو أكمل الخلق حمدا لله –وصفا وفعلا- كان صلى الله عليه وسلم هو أَوْلَاهم بهذا المقام المحمود -مقام الشفاعة- في يوم القيامة -يوم الاستجابة بالحمد-.
وهذا المعنى هو معنى آخر لقوله سبحانه: ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ أى تستجيبون بسبب هذه المحامد لفصل القضاء وأنتم حامدين معترفين بكمال المحمود سبحانه، وكمال الحامد صلى الله عليه وسلم، منقادين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا(٦٦)﴾ [الأحزاب: ٦٦].
۞ وفي لفظ ﴿تستجيبون﴾ على وزن (تستفعلون) الإشارة إلى طلبهم الإجابة من ربهم في مطلوبهم الذي هو بدء الحساب، المتمثل في فزعهم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليستشفع لهم في ذلك، كما في قولك (أستغفر الله) أى أطلب المغفرة.
۞ وكذلك زيادة السين في لفظ ﴿تستجيبون﴾ -ولم يقل (تجيبون)- تفيد معنى طلبهم الرجوع إلى الدنيا لما أبصروه من كمالات الحق ليستدركوا ما فاتهم من القيام لله بحق الحمد ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ(١٢)﴾ [السجدة: 12].
٤) وبالحمد تتقدم هذه الأمة على من سواها من الأمم يوم القيامة:
ولما كان يومُ القيامة هو يوم الاستجابة بالحمد لله الحميد؛ كانت أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هى أول الأمم محاسبة يوم القيامة، وهى أول الأمم دخولا الجنة التى هى دار الحمد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة» أى نحن آخر الأمم في الدنيا لأن نبينا هو الخاتم صلى الله عليه وسلم، ونحن أول الأمم محاسبة يوم القيامة لأننا -ولله الحمد- أمة الحمد، ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد يقول النبى الأحمد صلى الله عليه وسلم: «...فَإِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَصْدَعَ بَيْنَ خَلْقِهِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ؟ فَنَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ، فَنَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ، فَتُفْرَجُ لَنَا الْأُمَمُ عَنْ طَرِيقِنَا، فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الطُّهُورِ، وَتَقُولُ الْأُمَمُ: كَادَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا».
ووصف هذه الأمة بالحمد قد جاء في الكتب السابقة: ففي سنن الإمام الدارمي بسند صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ: كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: «نَجِدُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهَ يُولَدُ بِمَكَّةَ، وَيُهَاجِرُ إِلَى طَابَةَ، وَيَكُونُ مُلْكُهُ بِالشَّامِ وَلَيْسَ بِفَحَّاشٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، يُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَأْتَزِرُونَ فِي أَوْسَاطِهِمْ، يُصَفُّونَ فِي صَلَاتِهِمْ كَمَا يُصَفُّونَ فِي قِتَالِهِمْ، دَوِيُّهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُسْتَمِعُ مُنَادِيهِمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ»
۞ وهذا الحمد هو سر شهادتهم على الناس يوم القيامة، ولذا افتتح كتابهم بالحمد إشارة إلى أنه كتاب الختام، وإشارة إلى اقتراب يوم الاستجابة بالحمد، فلقيامهم بمقام الحمد أقيموا مقام الشهادة على الأمم، ولما كان أكملَ الحامدين نبىُّ هذه الأمة صلى الله عليه وسلم قام هو بمقام الشهادة على أمته ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدًا﴾.
فعَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: «قَالَ لِي عِمْرَانُ إِنِّي لَأُحَدِّثُكَ بِالْحَدِيثِ الْيَوْمَ لِيَنْفَعَكَ اللهُ بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ: اعْلَمْ أَنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَمَّادُونَ» (سنن الدارمي)، وهو معنى قوله سبحانه ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ وذلك للقيام لله بمقام الحمد ﴿تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾.
٥) ثم يختتم مشهد الحساب والفصل بالحمد:
قال سبحانه وبحمده: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(٧٥)﴾ [الزمر: 75].
فيختتم الحساب بحمد الكل لله سبحانه وتعالى، المشار إليه بلفظ ﴿وَقِيلَ﴾ ببناء الفعل لما لم يسم فاعله لإفادة العموم المشير إلى دخول الكل في نظام الحمد، فيحمده الكافرون لما رأوا من جلاله ورحمة عدله، ويحمده المؤمنون لما رأوا من جماله وجزيل فضله، وتحمده الملائكة تسبيحا بقدسه لِمَا انكشف لها من حكمة فعله حين قال لهم ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
﴿فَلِلَّهِ ٱلۡحَمۡدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ(٣٦)
وَلَهُ ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ(٣٧)﴾
Comments
Post a Comment