سورة الكهف ومنهج التزكية (3) - معنى العبودية

 سورة الكهف ومنهج التزكية (3)
معنى العبودية


الحمد لله باسط المهاد، رافع السبع الشداد، منجز الوعد، لا يخلف الميعاد...
والصلاة والسلام على خير العباد، رسول الإسعاد، ماحي الفساد، الداعي إلى الرشاد، وقامع أهل الغى والعناد...
وبعد؛

فهذه إلماحة بمعنى العبودية وأحوالها التى لا ينفك عبد عنها بحال، ومراتبها التي ينبغي أن يترقى فيها لنيل الكمال؛ وذلك انبعاثا من قول الله تعالى في مطلع سورة الكهف ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ... (١).
فالعبودية هى أكمل وصف للمخلوق وأشرفه، وهى عروة الصلة الكبرى بالرب العلىّ الأعلى، ففي الحديث: «.. فإذا قال العبد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(٥) قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.. »، وعلى قدر التحقق بها والترقي في معراجها تحصل كفاية الله لعبده ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُ الكفاية التامة المطلقة في كل شىء من كل شىء، ومتى انحلَّ العبد منها اختيارا –إذ هو مصبوغ بها اضطرارا- فقد هوى في مكان سحيق.

أركان العبودية:

وتستكمل العبودية باستكمال ركنيها... 
فالأول: معرفة الرب كمالا وجمالا وجلالا.
والثاني: معرفة النفس ضعفا وعجزا وذَلَالًا.
لذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا»، لأن التقوى فرع على العلم، وليس ثمة مخلوق أعلم بربه منه صلى الله عليه وسلم.
وبهذين الركنين تحصل الثمرة التى هى كمال الحب مع تمام الذل.
فكمال الحب يحصل بمعرفة الرب بحسنى أسمائه، وعلىِّ صفاته، وباهر أفعاله.
وتمام الذل يحصل بمعرفة النفس عجزا وضيعة وعورة وخطيئة.

وأمارة صدق التحقق بالعبودية شيئان:

الأول: رؤية عدم الاستحقاق من الله؛ كما في الحديث «لوْ أَنَّ اللَّهَ عذَّبَ أهْلَ سَمَاوَاتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ... ».
الثاني: رؤية عدم الاستحقاق على الخلق؛ لذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، ولا نيل منه شىء فينتقم من صاحبه.

أحوال العبودية:

ثم اعلم أن للعبد أربعة أحوال لا يخرج عنها بحال، ولكل حال منها مقتضى:
وهى النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية.
فإن كنت بالنعمة فمقتضى الحق منك الشكر.
وإن كنت بالبلية فمقتضى الحق منك الصبر.
وإن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود منته عليك فيها؛ إذ وفقك إليها، وجعلك أهلا لها.
وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك الأوبة والاستغفار.

وللعبودية مدارج أربعة كذلك، من كمَّلها كَمُلَ:

ذل اضطرار: وهى أن تظهر ضرورتك وضراعتك لربك عند ورود حاجتك.
ذل اختيار: وهو في مقام الطاعة امتثالا؛ أمرًا كان أو نهيًا، وهو أن تتذلل بتذليل استكبار نفسك الأمارة إرغاما لها بمخالفة هواك.
ذل اعتذار: وهو في مقام العصيان بالابتدار إلى الإقلاع وحَلِّ عقدة الإصرار.
ذل إهتار: وهو لزوم الذكر على وجه الإكثار، فمن أحب شيئا لهج بذكره والثناء عليه.
فعَنِ ابْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ »، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنِ الْمُفَرِّدُونَ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يُهْتَرُونَ فِي ذِكْرِ اللهِ » (مسند أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم)، وفي رواية الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْتَهْتَرُونَ فِي ذِكْرِ اللهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ فَيَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ خِفَافًا» (حسن غريب).
وأهتروا: يَعْني الَّذِينَ أُولِعُوا بِهِ. يُقال: أُهْتِرَ فُلان بكذا، واسْتُهْتِرَ، فَهُوَ مُهْتَرٌ بِهِ، ومُسْتَهْتَرٌ: أَيْ مُولَع بِهِ لَا يَتَحَدّث بغَيره، وَلَا يَفْعَلُ غَيرَه.

وخلاصة معنى العبودية ما جاء في الحكم العطائية من قوله:

تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه...
وتحقق بذُلِّك يمدك بعزِّه...
وتحقق بعجزك يمدك بقدرته...
وتحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته.
تحقق بِوَصْفِ الفقر في كلِّ لحظة...فما أسرَعَ الغنى إذا صُحِّحَ الفقرُ
وإِنْ تُرِدَنْ بَسْطَ المواهب عاجلا...ففي الفاقة رِيحُ المواهبِ يُنْشَرُ
وإِنْ تُرِدَنْ عزا منيعا مؤيدا...ففي الذل يخفى العزُّ بل ثَمَّ يَظْهَرُ
وإِنْ تُرِدَنْ رفعا لقدرك عاليا...ففي وضعك النفسَ الدَّنِيَّةَ يَحْضُرُ
فبقدر ما تُعْطِي تأخذ، وبقدر ما تتخلى تتحقق، وبقدر ما تتحقق تُمَدّ.  
 
فاللهم يا من له اليد المبسوطة السحَّا
أمدنا بمدد عطايا رحمتك
وأفض علينا من خير يدك
وعُمَّنا برحيب فضلك
وأحلل علينا رضوانك الأكبر
وصل اللهم وسلم وبارك على من عرقه أطيب من المسك الأذفر، ووجهه أبهى من البدر الأنور، واسقنا اللهم بيده من حوض الكوثر
والحمد لله رب العالمين
 
 
 
 

Comments

Popular posts from this blog

سورة الكهف ومنهج التزكية (١) الحمد على الكتاب

لطيفة في الدلالة المعنوية لرسم اللفظ القرآني (صاحبه)

القرآن بين الفطر والأضحى