سورة الكهف ومعنى (ٱلۡحَدِيثِ)

سورة الكهف 
ومعنى ﴿ٱلۡحَدِيثِ﴾ 


الحمد لله الذي خصنا بأحسن الحديث.. 
والصلاة والسلام على الحامي إذا حمى الوطيس، المبعوث بالغيث المغيث.. 
وبعد؛ 

فمع الوصف الثالث لكتاب الله عز وجل على ما ورد في سورة الكهف النَّيِّرة المباركة، وهو وصف الكتاب ب(الحديث) من قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا(6)﴾. 

المعنى الاشتقاقي لمادة (ح د ث): أصل يدل على الكشف عن الشىء وإظهاره. 
والحديث: الجديد من الأشياء، ضد القديم. 
والحدوث: كون الشىء لم يكن، ومنه سميت محدثات الأمور: وهو ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء التي كان السلف على غيرها. 
وحدث أمر: أى وقع. 
واستحدثت خبرا: أى وجدته خبرا جديدا. 
ومحادثة السيف: جلاؤه، وأحدث الرجل سيفه وحادثه: إذا جلاه. 
والحدث: الإبداء. 

وبناء على ما سلف؛ فوجه تسمية القرآن بالحديث: 

۞ أنه أحدث الكتب عهدا بالسماء، وفي هذه التسمية دلالة على أنه الكتاب الخاتم الناسخ لما تقدم (الحديث: الجديد من الأشياء، ضد القديم). 

۞ أنه في غاية النصوع والوضوح، فقد وصفه الله جل وعلا بالمبين: أى الواضح في ذاته –بأنه الحق الذي لا امتراء فيه-، الموضِح لغيره (من قولهم محادثة السيف: جلاؤه). 

۞ أنه نزل منجما –مفرقا- وفق ما تدعو إليه الحاجة، فينزل متجددا في كل واقعة ببيان الحق فيها، والسبيل الأقوم، وهذه خصيصة تفرد بها القرآن المجيد؛ إذ أن الكتب قبله كانت تنزل جملة واحدة، وفي هذه الحداثة والتجدد تجديد للإيمان وتشويق لأهله حتى يظل تعلقهم سماويا ساميا. 

۞ أنه يبدي الأمور الخفية مما مضى ومما سيأتي (لما في الحَدَث من معنى الإبداء). 

۞ أنه حسن السياق، معجز التراكيب؛ كما قال الله عز وجل ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ﴾، (فالعرب تقول رجل حَدِّيث: إذا كان كثير الحديث، حسن السياق له)، وأما معنى الكثرة فشاهده قوله تعالى ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖ﴾. 

۞ لأن كل ما فيه وقع وسيقع وفق ما أخبر به سواء بسواء ( من قولهم حدث أمر: إذا وقع). 

۞ وفي تسميته بالحديث دليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه صالح لإصلاح كل زمان ومكان، غير مختص بفئة دون فئة، أو حقبة دون غيرها (يقولون استحدثت خبرا أى وجدته خبرا جديدا). 

وفي هذه التسمية بالغ الرد على من أرادوا إضلال الأمة وحَرْفَ عقيدتها بمقالتهم الكافرة بأن القرآن مخلوق: يريدون بذلك الطعن على حفظه، لأن المخلوق يزيد وينقص، ويطرأ عليه البلى والتغيير بطول الزمان، فيكون قولهم هذا ذريعة لنبذ القرآن وراء الظهور، بدعوى حداثة الزمان، وتجدد الأحوال، لذا جمعت سورة الكهف بين حدث الماضي وحدث المستقبل، ليكون حديثه شاهدا على كمال إحاطته، وتمام هيمنته. 

وإذا ذكرت فرية خلق القرآن فلا يلوح في الأفق إلا قامعها، علم الأمة، وإمام أهل السنة ، الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رضى الله عنه وأرضاه، فهذا طرف من سيرته فيما يتعلق بمحنته، لنعرف شرف الكبار، وفضل العلماء الأخيار –حشرنا الله في زمرتهم وجعلنا ممن حمل رايتهم-: 

۩ قال الربيع: إن الشافعي خرج إلى مصر وأنا معه فقال لي: يا ربيع، خذ كتابي هذا وامض به، وسلمه إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وائتني بالجواب. قال الربيع: فدخلت بغداد، ومعي الكتاب، فلقيت أحمد بن حنبل صلاة الصبح، فصليت معه الفجر. فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت له: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر، فقال أحمد: نظرت فيه؟ قلت: لا، فكسر أبو عبد الله الختم، وقرأ الكتاب، فتغرغرت عيناه بالدموع فقلت: إيش فيه يا أبا عبد الله؟! قال: يذكر أنه رأى النبي  في النوم فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام وقل: إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم، فسيرفع الله لك علماً إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت: البشارة، فخلع أحد قميصيه الذي يلي جلده ودفعه إلي فأخذته، وخرجت إلى مصر، وأخذت جواب الكتاب، فسلمته إلى الشافعي، فقال لي الشافعي: يا ربيع، إيش الذي دفع إليك؟ قلت: القميص الذي يلي جلده. قال الشافعي: ليس نفجعك به ولكن بله وادفع إلي الماء لأتبرك به. وفي رواية: حتى أشركك فيه. 

۩ قال أبو جعفر الأنصاري: لما حمل أحمد بن حنبل يراد به المأمون، اجتزت فعبرت الفرات إليه، فإذا هو في الخان، فسلمت عليه فقال: يا أبا جعفر تعنيت! فقلت: ليس هذا عناء. قال: فقلت له: يا هذا أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله إن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير. ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك، فإنك تموت، ولابد من الموت، فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء، فجعل أحمد يبكي وهو يقول: ما شاء الله، ما شاء الله. قال: ثم قال لي أحمد: يا أبا جعفر، أعد علي ما قلت. قال: فأعدت عليه. قال: فجعل يقول ما شاء الله، ما شاء الله. 

۩ قال أبو بكر الشهرزوري: رأيت أبا ذر بسهرورد، وقد قدم مع واليها وكان مقطعاً بالبرص. يعني: وكان ممن ضرب أحمد بن حنبل بين يدي المعتصم. قال: دعينا في تلك الليلة ونحن خمسون ومئة جلاد فلما أمرنا بضربه كنا نغدو حتى نضربه، ثم نمر، ثم يجيء الآخر على أثره، ثم يضرب. 

۩ قال أبو بكر النجاحي: لما كان في تلك الغداة التي ضرب فيها أحمد بن حنبل زلزلنا ونحن بعبادان. 

۩ قال محمد الحنفي: كنت في الدار وقت أدخل أحمد بن حنبل وعشرة من العلماء، فلما أن مُدَّ أحمدُ ليُضرب بالسوط دنا منه رجل وقال له: يا أبا عبد الله، أنا رسول خالد الحدد من الحبس، يقول لك: اثبت على ما أنت عليه، وإياك أن تجزع من الضرب، واصبر فإني قد ضربت ألف حد في الشيطان، وأنت تضرب في الله عز وجل. 

۩ قال سلمة بن شبيب: كنا عند أحمد بن حنبل إذ جاءه شيخ معه عكازه فسلم وجلس فقال: من منكم أحمد؟ قال أحمد: أنا، ما حاجتك؟ قال ضربت إليك من أربع مئة فرسخ، أريت الخضر عليه السلام في المنام قال لي: قم فصر إلى أحمد بن حنبل وسل عنه وقل له: إن ساكن العرش والملائكة راضون عنك بما صبرت نفسك. 

۩ حدث أبو بكر المروزي بطرسوس قال: رأيت أحمد بن حنبل في المنام، وعليه ثوبان مصقولان، وعلى رأسه تاج له ثمانية أركان، في كل ركن منه ياقوتة تضيء، وكذا في رجليه نعل من لؤلؤ رطب شراكها من زبرجد أخضر، فقلت: يا أحمد، بماذا نلت ذا من ربك؟ قال: بقولي: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. 

۩ قال أبو عيسى عبد الرحم بن زاذان: كنت في المدينة بباب خراسان وقد صلينا، ونحن قعود، وأحمد بن حنبل حاضر، فسمعته وهو يقول: اللهم من كان على هوىً أو على رأيٍ وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد، اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، ولا ترانا حيث نهيتنا ولا تفقدنا من حيث أمرتنا، أعزنا ولا تذلنا، أعزنا بالطاعة، ولا تذلنا بالمعاصي. وجاء إليه رجلٌ فقال له شيئاً لم أفهمه، فقال له: اصبر، فإن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً. 

۩ قال أبو حاتم الرازي: قلت لأحمد بن حنبل: كيف نجوت من سيف الواثق؟ وعصا المعتصم؟ فقال لي: يا أبا حاتم، لو وضع الصدق على جرح برأ. 

۩ كان أحمد بن إبراهيم يقول: من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام. 

۩ قال أبو الحسن الطرخاباذي: أحمد بن حنبل محنة به يعرف المسلم من الزنديق. 

۩ قال سفيان بن وكيع: أحمد بن حنبل محنة، من عاب أحمد فهو فاسق. 

۩ قال محمد بن فضيل البلخي: كنت أتناول أحمد بن حنبل. قال: فوجدت في لساني ألماً، فاغتممت، ثم وضعت رأسي فنمت، فأتاني آت فقال: هذا الذي وجدت في لسانك بتناولك الرجل الصالح. قال: فانتبهت فجعلت أستغفر الله وأقول: لا أعود إلى شيء من هذا. قال: فذهب ذلك الألم. 

۩ قال بيان بن حمد بن أبي خالد القصباني: حضرت الصلاة على جنازة أحمد بن حنبل يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين ومئتين، وكان الإمام عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، فأخرجت جنازة أحمد فوضعت في صحراء أبي قيراط وكان الناس خلفه إلى عمارة سوق الرقيق. فلما انقضت الصلاة قال محمد بن عبد الله بن طاهر: انظروا كم صلى عليه ورائي قال: فنظرا، فكانوا ثمان مئة ألف رجل وستين ألف امرأة، ونظروا من صلى في مسجد الرصافة للعصر فكانوا نيفاً وعشرين ألف رجل. 

۩ قال إبراهيم بن جعفر المروزي: رأيت أحمد بن حنبل في المنام يمشي مشيةً يختال فيها، فقلت: ما هذه المشية يا أبا عبد الله؟ فقال: هذه مشية الخدام في دار السلام. 

۩ قال أبو عبد الله محمد بن خزيمة الاسكندراني: لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غماً شديداًن فبت من ليلتي، فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته، فقلت له: يا أبا عبد الله، أي مشية هذه؟ فقال: هذه مشية الخدام في دار السلام. فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي: يا أحمد، هذا بقولك القرآن كلامي، ثم قال لي: يا أحمد، ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري التي كنت تدعو بهن في دار الدنيا. قال: قلت: يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء. لا تسألني عن شيء، اغفر لي كل شيء، فقال لي: يا أحمد، هذه الجنة، قم ادخل إليها، فدخلت. فإذا أنا بسفيان الثوري وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة وهو يقول: الحمد لله الذي أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين. قال: فقلت: ما فعل عبد الوهاب الوراق؟ قال: تركته في بحرٍ من نور يزار به إلى الملك الغفور. قال: فقلت: ما فعل بشر؟ فقال لي: بخ بخ ومن مثل بشر؟ تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام، والجليل مقبل عليه، وهو يقول: كل يا من لم تأكل واشرب يا من لم تشرب وانعم يا من لم تنعم. أو كما قال. 

۩ قال أحمد بن محمد الكندي: رأيت أحمد بن حنبل في المنام. قال: فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي، ثم قال: يا أحمد، ضربت في!! قال: نعم يا رب. قال: يا أحمد، هذا وجهي فانظر إليه، فقد أبحتك النظر إليه. 


فاللهم يا رب كل شيء.. بقدرتك على كل شيء.. لا تسألنا عن شيء.. واغفر لنا كل شيء 

اللهم من كان على هوىً أو على رأىٍ وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد
اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به 

ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك 

ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا 

ولا ترانا حيث نهيتنا ولا تفقدنا من حيث أمرتنا 

أعزنا ولا تذلنا.. أعزنا بالطاعة.. ولا تذلنا بالمعاصي 

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه والمستمسكين بهديه 

والحمد لله رب العالمين


صاحب القرءان
نديم فرج خطاب

Comments

Popular posts from this blog

القرآن بين الفطر والأضحى

سورة الكهف ومنهج التزكية (18) الصحبة وأثرها في الأحسنية

لطيفة في الدلالة المعنوية لرسم اللفظ القرآني (صاحبه)