سورة الكهف ونظرة في معنى ﴿ٱلۡكِتَٰب﴾

 سورة‭ ‬الكهف‭ ‬
ونظرة‭ ‬في‭ ‬معنى
 ﴿ٱلۡكِتَٰب

الحمد لله الذي أنزل إلينا الكتاب مباركا مفصلا...
والصلاة والسلام على المختار للمجد كعبة، صلاة تباري الريح مسكا ومَنْدَلا...
وبعد،

قال الفيروز آبادي –رحمه الله- في بصائر ذوي التمييز: اعلم أَنَّ كثرة الأسماء تدلّ على شرف المسمَّى، أَو كمالِه فى أَمر من الأمور.

 أَما ترى أَن كثرة أَسماءِ الأسد دلَّت على كمال قوُّته، وكثرةَ أَسماء القيامة دلَّت على كمال شدته وصعوبته، وكثرة أَسماء الدَّاهية دلت على شِدة نِكايتها. وكذلك كثرة أَسماء الله تعالى دلَّت على كمال جلال عظمته؛ وكثرة أَسماء النبى  دَلَّت على علّو رتبته، وسموِّ درجته. وكذلك كثرة أَسماء القرآن دلَّت على شرفه، وفضيلته. -انتهى كلامه-

و﴿ٱلۡكِتَٰبَ هو أول ما استفتح الله به تسمية القرآن في سورة الكهف، بل وفي القرآن المجيد حيث قال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَ فِيهِ.

وكلمة (كتاب) مشتقة من مادة (ك ت ب)، ومعنى هذا التركيب: إلصاق وجمع بدقة وقوة.. ومن ذلك: الكتابة المعروفة؛ فهى إلصاق الكلام بتثبيت رموزه في وجه مادة قوية: حجر أو جلد.. إثباتا قويا تصعب إزالته، ومنه: كتيبة الجيش: فهى جماعة متضامة متماسكة بقوة.

وأما وجه تسمية القرآن بالكتاب فلأمور منها:

۞ كونه مدونًا بالأقلام، محفوظا في الألواح والصحف والسطور.

۞ وكونه محفوظا في الصدور، ملصقا بها ﴿بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ، وفي حديث عياض المجاشعى أن الله سبحانه قال للنبى : (...وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تقرأه نائما ويقظان...)؛ قال أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (أَيْ: لَمْ نَكْتَفِ بِإِيدَاعِهِ الْكُتُبَ فَيَغْسِلُهُ الْمَاءُ، بَلْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا مَحْفُوظًا فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ، [العنكبوت: 49] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ(٩)[الحجر: 9] ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْغَسْلِ النَّسَخُ، وَالْمَاءُ مَثَلٌ، أَيْ: لَا يَنْزِلُ بَعْدَهُ كِتَابٌ يَنْسَخُهُ، وَلَا نَزَلَ قَبْلَهُ كِتَابٌ يُبْطِلُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٌ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(٤٢) [فصلت: 42]).  -انتهى كلامه-

وقال النويري في نهاية الأرب: (الوجه الثامن –يعني من وجوه إعجاز القرآن-: أن الله تعالى يسر حفظه لمتعلّميه، وقَرَّبَه على متحفّظيه،

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٍ، فلذلك إنَّ سائر الأمم لا يحفظ كتبَها الواحدُ منها، وإن لازم قراءتها، ودوام مدارستها، لم يُسْمَع بذلك عن أحد منهم، والقرآن قد يسر الله تعالى حفظه على الغلمان فى المدّة القريبة والنّسوان، وقد رأينا من حَفِظَه على كبر سنه، وهذا من معجزاته.) -انتهى كلامه-

 وهذه الجملة من الحديث ‮«‬...وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ...)  هى تفسيرٌ لقول الله تعالى: ﴿صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةً، والصبغة هى الطلاء واللون الذي يُحَلَّى به الثوب، وما من صبغة إلا والماء يزيل أثرها إلا صبغة القرآن والإسلام، فإنها لا تزول لأنها صبغة تباشر القلوب وتخالط الأرواح، فيظهر أثرها على صاحبها هداية ورشدا، كما وصفت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها خلق رسول الله  فقالت: (كان خلقه القرآن)، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةً أى اجعلوا شرائع الإسلام وتعاليم القرآن تَعُمّ ظاهركم وباطنكم؛ فما أبهاها من حُلَّة! وما أكرمها من صبغة!

۞ وكذلك سمى القرآن كتابا لما فيه من معنى الجمع - (يقول ابن فارس: كتب: أصل واحد يدل على جمع شىء إلى شىء)- فهو الجامع والتبيان والتفصيل لكل شىء؛ قال الله عز وجل: ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٍ، وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنًا لِّكُلِّ شَيۡءٍ، وقال جل شأنه: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٍ.

يقول "أَلِكْس لوازون" –فيلسوف فرنسي-: (خَلَّفَ محمد  كتابا هو آية البلاغة، وسِجِلُّ الأخلاق، وكتاب مقدس، وليس بين المسائل العلمية المكتشفة حديثا مسألة تتعارض مع الأسس الإسلامية، فالانسجام تام بين تعاليم القرآن والقوانين الطبيعية).

ويقول المستشرق الألمانى د. شومبس: (... وربما تعجبون من اعتراف رجل أوروبي مثلي بهذه الطريقة، فقد درستُ القرآن فوجدت فيه تلك المعاني العالية، والأنظمة المحكمة، والبلاغة الرائعة التي لم أجد مثلها قط في حياتي، جملة واحدة منه تغني عن مؤلفات، هذا ولا شك أكبرُ معجزة أتى بها محمد  عن ربه).

ولئن كان الغرض من إيراد جملة هذا المستشرق قوله عن القرآن: "جملة واحدة منه تغني عن مؤلفات"، إلا أنه استوقفتني عبارته: " فقد درستُ القرآن" يقول ذلك وهو عدو للقرآن، فياليت أهل الإسلام يدرسون ويعنون بكتاب ربهم كعناية د.شومبس!!! ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٌ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَ وَسَوۡفَ تُسۡئَلُونَ(٤٤).

۞ وكذلك سمى القرآن المجيد كتابا لما فيه من معنى إلزام اتِّبَاعه، ووجوب ملاصقته وملازمته – (قال ابن منظور في لسان العرب: والكتاب يوضع موضع الفرض)- كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَى ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ(١٨٠)﴾﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ؛ أى أُلْصِق بكم وأُلْزِمتم به وفُرِض عليكم، وفي استعمال الكتاب بمعنى الفرض قوله تعالى: ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ، وقوله سبحانه: "كتاب الله عليكم" أى فرضا من الله يجب عليكم التزامه.

فتسمية القرآن بالكتاب متضمنة لمعنى وجوب اتباعه، وفرضية أحكامه.

فيا أمة القرآن!!!

هلموا إلى كتاب ربكم، وميراث نبيكم  قبل أن يرفع من بين ظهوركم، وها نحن قد صرنا في زمن الحصاد، يحصد  أهل القرآن من بين أيدينا الواحد تلو الواحد...

فما فرغنا من دفن عالمنا المقرئ سماحة الشيخ: عبد الباسط هاشم -رحمه الله - حتى نُعيت إلينا اليوم سماحة الحافظة المقرئة الجليلة الشيخة: سميعة بكر غفر الله لها وأثابها رضوانه الأكبر، ومن قبل الشيخ العلامة الحافظ: حافظ الصانع، والشيخ الوقور: عبد الفتاح مدكور –رضى الله عن الأول منهم والآخر-

يقول أَبُو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه : ‮«‬مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ؟ تعلَّموا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، فَإِنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ‮»‬ -رواه الإمام الدارمي - 

 وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: ‮«‬أَكْثِرُوا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ‮»‬. قَالُوا: هَذِهِ الْمَصَاحِفُ تُرْفَعُ، فَكَيْفَ بِمَا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ؟ قَالَ: ‮«‬يُسْرَى عَلَيْهِ لَيْلًا فَيُصْبِحُونَ مِنْهُ فُقَرَاءَ، وَيَنْسَوْنَ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَقَعُونَ فِي قَوْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَشْعَارِهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ يَقَعُ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ‮»‬ -رواه الإمام الدارمي بسند حسن–

وعنه رضي الله عنه قَالَ: لَيُنْزَعَنَّ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، فقيل له: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَسْنَا نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ فِي مَصَاحِفِنَا؟ قَالَ: يَسْرِي عَلَى الْقُرْآنِ لَيْلًا فَلَا يَبْقَى فِي قَلْبِ عَبْدٍ وَلَا فِي مُصْحَفِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ فُقَرَاءَ كَالْبَهَائِمِ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا(٨٦) [الإسراء: 86]. -مجمع الزوائد وصححه الألباني-

وقال رضي الله عنه: ‮«‬لَيُسْرَيَنَّ عَلَى الْقُرْآنِ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَلَا يُتْرَكُ آيَةٌ فِي مُصْحَفٍ، وَلَا فِي قَلْبِ أَحَدٍ إِلَّا رُفِعَتْ‮»‬. -رواه الإمام الدارمي بسند صحيح–

ولا ريب أن ذهاب هؤلاء الكرام تحت الثرى ينادينا منذرا: أنِ احذروا ﴿فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَا.


فاللهم يا رب الأولين والآخرين

ارحم المستقدمين منا والمستأخرين

وألحقنا ربنا بالصفوة السابقين المقربين 

اللهم كما أعطيتنا حظًّا من وراثة هذا الذكر الحكيم

 فيسرت علينا حفظه وتذكره، وحببت إلينا تلاوته وتدبره

 نسألك اللهم أن تجعلنا من خيار وارثيه، الذين هم بهدايته مستمسكون

 والذين هم على حراسته قائمون

 والذين هم تحت رايته يوم القيامة يبعثون

 في جند إمامنا الأعظم، ورسولنا الأكرم، محمد بن عبد الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وأصحابه والتابعين

وأتمم اللهم نورنا بنوره

والحمد لله رب العالمين


Comments

Popular posts from this blog

سورة الكهف ومنهج التزكية (١) الحمد على الكتاب

لطيفة في الدلالة المعنوية لرسم اللفظ القرآني (صاحبه)

القرآن بين الفطر والأضحى