شيخي بين الرثاء والوفاء
شيخيبين الرثاء والوفاء
قال الله عز وجل: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ(٥٥١) ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ(٦٥١) أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٌۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ(٧٥١)﴾
ولا ريب أن موت العالِم فاجعة عظمى، مؤذن باقتراب الطامة الكبرى؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا" وفي رواية "ويكثر الجهل" وفي ثالثة "ويظهر الجهل» (صحيح الإمام البخاري)
وظهور الجهل بقبض العلم، وقبض العلم بموت العالِمِ؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (صحيح الإمام البخاري)
فبالأمس - الخامس عشر من ذي الحجة، لعام واحد وأربعين وأربعمائة وألف – طوت الأرض كنزا من كنوزها، وانطفأ سراج من سُرُج هُدَاتها، وإنا لله وإنا إليه راجعون، مات العالم الفذ، والقارئ المقرئ الجهبذ، سماحة الشيخ: عبد الباسط بن حامد بن محمد، الشهير بعبد الباسط هاشم -رحمه الله تعالى ورضى عنه-.
ولكن عزاؤنا قول ربنا لنبينا r: ﴿وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ(٧٥١)﴾
وما روته أمُّنا أمُّ المؤمنين عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ r بَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، أَوْ كَشَفَ سِتْرًا، فَإِذَا النَّاسُ يُصَلُّونَ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَى مِنْ حُسْنِ حَالِهِمْ، وَرَجَاءَ أَنْ يَخْلُفَهُ اللَّهُ فِيهِمْ بِالَّذِي رَآهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي» (رواه ابن ماجة، وقال الألباني: صحيح)
قال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي –رحمه الله–:
المصيبة –حرسك الله- وإن كانت أكبر من التعزية ولكنَّ ثوابَ الله أكبر من المصيبة، والإيمان بالله أكبر من الثواب، وما آمن بالله من لايثق به، ولن يثق به من لا يطمئن إلى حكمته، ولا اطمأن إلى حكمته من لا يرضى بحكمه، ولا يرضى بحكمه من سخط على ما ابتلاه. –انتهى كلامه-
ولا ينبغي لعاقل أصابته مصيبةُ الموت أن يجمع إليها مصيبةَ الفوت (أى فوات وضياع أجر الصبر على المصيبة).
فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شىء عنده بأجل مسمى...
﴿وَٱللَّهُ خَيۡرٌ وَأَبۡقَىٰ(٣٧)﴾
﴿وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٌ وَأَبۡقَىٰ(١٣١)﴾
﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٌ وَأَبۡقَىٰ﴾
﴿وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٌ وَأَبۡقَىٰ(٧١)﴾
ولست أقصد من وراء هذه الكلمات التعريف بالشيخ؛ فالشمس أشهر من أن تُعَرَّف، والبدر لا يرى نوره إلا ضرير، ولكني أردت أن أتحف إخواني ببعض مآثر الشيخ التي أكرمني الله بسماعها بلا واسطة من سماحته، وبعضها عندي مسجل بشجى صوته –ولله الحمد-، فأقول مستعينا باسم ربنا الأكرم:
الشيخ والمبشرات:
۞ دخلنا عليه يوما بعد صلاة الفجر، فرأيناه ضاحكا مستبشرا، فسألناه عن سبب بشره؛ فقال رحمه الله تعالى: (رأيت الليلة الإمام النووى –رحمه الله- وقد قال لي: سأعطيك سندي في الحديث، وتعطني سندك في القرآن. يقول الشيخ فأحضرت أوراقا لكتابة الأسانيد، فقال الإمام النووي للشيخ: بل سأحضر أنا الأوراق، يقول الشيخ رحمه الله: فجاء الإمام النووي بأوراق كبيرة لم أعهد مثلها روعة وحسنا، وجعل كل واحد منا يكتب سنده لصاحبه حتى كان الفراغ من السندين عند نداء المؤذن لصلاة الفجر: الله أكبر الله أكبر)
۞ ورأى يوما –فيما حدثني به– أن جارية بالغة الحسن، واقفة على ضفة نهر يجري، وقد أسدلت شعرها أسود طوالا خلف ظهرها؛ يقول الشيخ رحمه الله: فجعلت أنظر إليها متعجبا من حسنها، فالتفتت إليه قائلة: أما تعرفني يا عبد الباسط؟! أنا حبيبتك الشاطبية.
۞ وكان الشيخ رحمه الله تعالى كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات متنهدا، عالية بها زفرات أنينه وحنينه، فيقول:
قل لإخوانٍ رأوني ميتًا *** فبكوني ورَثَوني حَزَنًا
أتظنون بأني مَيْتُكُم *** ليس هذا الميّت والله أنا
أنا في الصور وهذا جسدي *** كان بيتي وقميصي زمنا
أنا كنز وحجابي طلسم *** من تراب كان لي فيه عَنا
أنا دُرٌّ قد حواني صدف *** كان سجني فتركت السجنا
أنا عصفور وهذا قفصي *** طرت منه وبقِي مرتهنا
فاهدموا البيت ورضُّوا قفصي *** وذروا الكلَّ دفينا بيننا
أحمد الله الذي خلصني *** وبنا لي في المعالي سكنا
كنت قبل اليوم مَيْتًا بينكم *** فحييت وخلعت الكفنا
قد ترحلت وخلفتكمُ *** لست أرضى داركم لي وطنا
وأنا اليوم أناجي ملأً *** وأرى الله جهارًا علنا
عاكفٌ في اللوح أقرأ وأرى *** كل ما كان ويأتي أو دنا
وطعامي وشرابي واحد *** وهو رمز فافهموه حسنا
ليس خمرا سائغا أو عسلا *** لا ولا ماء ولكن لبنا
فافهموا السرَّ ففيه نبأ *** أى معنى تحت لفظي كَمُنا
حىُّ ذى الدار بنومٍ مغرِقٍ *** فإذا ما مات طار الوسنا
لا تظنوا الموت موتا إنه *** لحياة وهو غايات المنى
لا تَرُعْكُم هجمة الموت فما *** هو إلا نقلة من ههنا
اخلعوا الأجساد من أنفسكم *** تبصروا الحق عَيانا بيِّنا
وخذوا في الزاد جَهْدًا لا تَنَوا *** ليس بالعاقل منَّا من ونا
أحسنوا الظن برب راحم *** تُشْكَرُوا السعىَ وتَأْتُوا أمنا
ما أرى نفسىَ إلا أنتمُ *** واعتقادي: أنكم أنتم أنا
عنصر الأنفاس منا واحد *** وكذا الأجسام جسم عمنا
فارحموني ترحموا أنفسكم *** واعلموا أنكم في إِثْرنا
أسأل الله لنفسي رحمة *** رحم الله كريما أَمَّنا(اللهم آمين)
وعليكمُ مني سلام طيب *** سَلَّم الله عليكم وثنا
ثم يقول بعد هذه الآبيات: وأنا أسأل الله أن يجعلني من أهل هذا الكلام، وأن يكتبني في هؤلاء الكرام. (آمين)
۞ وأنشدني يوما فقال:
عَتَبْتُ على الدنيا لرفعةِ جاهلٍ *** وخفضٍ لذي علم! فقالت: خُذِ العُذْرَا
بنو الجهل أبنائي؛ لهذا رفعتُهم *** وأهلُ العلم أبناءُ ضَرَّتِىَ الأخرى
أأترك أولادي يموتون ضَيْعَةً *** وأُرْضِعُ أولادًا لضَرَّةٍ أخرى
ثم ضحك رحمه الله تعالى بملء فيه.
۞ وأخبرني -رحمه الله تعالى ورضى عنه- أنه مرض مرضا شديدا أيام كان ملتحقا بكُتَّاب شيخه سماحة الشيخ أحمد عبد الغنى عبد الرحيم –رحمه الله-، فعاده الشيخ أحمد في بيته ورقاه بهذه الكلمات المباركة:
باسم رحمنٍ رحيمٍ خير باب
باسم مولانا العظيم حباني حاب
باسم سرٍّ، باسم سرٍّ، باسم سرٍّ *** عبدك الفاني يمد يدَ المتاب
باسم كافٍ هاءِ ياءٍ عينِ صاد *** اكفنا من إنسِ جنٍّ والدوابّ
باسم قدوسٍ سلامٍ قاهر *** اقْهَرَنْ نفسي فعبدك مستذاب
باسم قافٍ طاءِ هاءٍ *** عَلِّمَنَّا كلَّ أسرارِ الكتاب
باسم رحمن رحيم خاتَمِىّ *** عَلَّ هذا القول دعوى تستجاب
اللهم يا من لايغلق بابه، ولا تضيق رحابه، ولا يضيع أحبابه
اعف عنه يا ربّ
فشُفِىَ الشيخ لِتَوِّه، والحمد لله رب العالمين.
وفي الختام –ولا بد من ختام- لا أجد أفضل من الدعاء ليقوم لشيخنا بشىء من حق الوفاء، ويرحم الله كريما أمَّنَ:
فاللهم يا أكرم من سُئِل، ويا أجود من أعطى
يا أرأف من ملك، ويا خير من حكم، ويا أحنّ من ابتُغِي
بابك بالخيرات مفتوح، ونوالك يا ذا الجلال ممنوح، وفضلك علينا يغدو ويروح
يا كريم! الكرماء بخلاء عند جوده
ويا قوى! الأقوياء عجزى في قيوده
ويا قاهر! نواصي الكل في قبضة صموده
اللهم إن الخلق خلقك، والعبد عبدك
فارحم اللهم عبدك عبد الباسط بن حامد
وابسط له من أفانين بهيج رهيج وهيج كراماتك
واحمد اللهم له تعليم آياتك
وألحقه اللهم بالرفيق الأعلى، واجمعه بالأئمة البدور الزاهرة، والأعلام الشهب النيرة،
مع رسول الحجة الباهرة r
واجعل اللهم قبره روضة من رياض أنسك،
وأبحه النظر إلى وجهك في أعالي رحاب قدسك
واجعلنا اللهم مدد نور له، بالنور الذي علَّمَنا إياه
واختم لنا بقول لا إله إلا الله
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر اللهم لنا وله وللمسلمين
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على كامل النور، النبى الصبور الشكور
والحمد لله على كل حال
اللهم آمين آمين آمين
ReplyDeleteرحم الله شيخنا الجليل