سورة الكهف وتوجيه المتشابهات
سورة الكهف
وتوجيه المتشابهات
الحمد للهِ عظيمِ الهبات، رفيعِ الدرجات، مُقِيلِ العثرات...
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الأنوران على بَرَّاقِ المحيا،
كريمِ السِّمات...
فبين يديك - أيها الكريم – توجيه معاني ما ورد في سورة الكهف مع أخواتها من آيات متشابهات، وبيان الحكمة فيما اشتملن عليه من دقائق الفروقات، كحذف وإثبات،أو تقديم أو تأخير، أو تخصيص موضع على أخيه بمحكم المفردات، أرجو من الله أن يسهل لنا بها سبيلا من سبل فراديس الجنات، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم من الشبهات والشهوات...
المسألة الأولى
﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾ – ﴿أَجْرًا كَبِيرًا﴾
ورد في سورة الكهف قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾،
وفي الإسراء: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾،
فما وجه تخصيص الأجر في الكهف بالحسن، وفي الإسراء بالكبير؟
جوابه –والله أعلم-:
لَمَّا ورد في سورة الكهف قوله تعالى ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ ناسبه وصف الأجر بالحسن، لأن الجزاء من جنس العمل، ولذا كان مدار وصف الأجزية في السورة على الحسن ، فقال تعالى في مثوبة أهل الجنة : ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣0 أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٍ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسۡتَبۡرَقٍ مُّتَّكِِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقًا ٣١﴾،
وفي خبر ذي القرنين: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ﴾،
ويأتي في مقابلة هذا الحسن﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾؛
لذا ناسب موضع الكهف وصف الأجر بالحسن، وكذلك لما اشتملت عليه من معنى حسن الظن بالله المتمثل في عقيدة فتية الكهف، وصدق توكلهم على ربهم، وكذلك في ظن المؤمن لما قال لصاحبه ﴿فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرًا مِّن جَنَّتِكَ﴾، فكان حسن الجزاء لحسن الظن، الذي هو أصل في إحسان العمل.
أما موضع الإسراء، فقد تقدمه ذكر إفساد بني إسرائيل في الأرض وعلوهم علوًا كبيرًا ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، فجاء وصف أجر المؤمنين في الآخرة بالكبير مقابلةً وعوضًا لهم عمَّا حصل لأعدائهم في دار الدنيا من العلو الكبير.
وكذلك لأن مدار الأجزية في سورة الإسراء متعلق بهذا الكِبَر كقوله تعالى:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾؛
فجعل الله كبر الفوارق بين الناس في الدنيا حاضًا لهم وباعثا لهممهم على نيل ما هو أكبر درجات وأكبر تفضيلا في الدار الآخرة، وعليه؛ وُصِفَ الأجرُ في الإسراء بالكبير –والله أعلم-.
بل إن وصفَ الكِبَرِ محوريٌّ جدًا في سورة الإسراء:
فوصف قتل الأولاد بقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾،
ونزه الله نفسه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾،
ووصف طغيان المعرضين بقوله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾،
ووصف فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرًا 87﴾،
وختمها بقوله جل وعلا: ﴿وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا111﴾
فكان وصف الأجر في هذه بالكبير وفي أختها بالحسن مجانسا لما عليه مدار كل سورة.
...والله أعلم...
المسألة الثانية
﴿أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡ﴾ – ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ﴾
ورد في سورة الكهف قوله تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدًا26﴾
وفي مريم: ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ38﴾
فما وجه تقديم البصر على السمع في الكهف، وعكسه في مريم؟
أما آية الكهف فمعناها: التعجيب من إحاطة بصره وسمعه سبحانه إذ لم يعزب عنه شيء، فلا أحد أَبْصَرَ ولا أَسمَعَ من الله جل وعلا.
ومعنى آية مريم: أن الكفار يوم القيامة يكونون أسمع شيء وأبصره، وهو تعجيب من حدة سمعهم وقوة أبصارهم بعد أن كانوا في الدنيا صما وعميا عن الحق؛كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ12﴾ [السجدة: 12]
وعليه؛ فقدم البصر في الكهف لأنه محل الرعاية وهو أوفق لحال الفتية في الكهف، كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ...48﴾[الطور: 48]، وقوله:﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا 14﴾[القمر: 14]، وقوله:﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ 217 الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ218﴾[الشعراء: 217-218].
وقدم السمع في مريم لما تقدم من وصف عيسى u بقوله: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ٣٤﴾، وكذلك لذكره اختلاف أقوال الأحزاب فيه ﴿فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ٣٧ أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ38﴾ فناسب ذلك تقديم السمع على البصر، لما بين القول والسمع من تلازم.
...والله أعلم...
المسألة الثالثة
﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ﴾ - ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ﴾
ورد في سورة الكهف قوله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾
وفي سورة فصلت: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَىٰ﴾
فما وجه قوله في الكهف ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ﴾، وفي فصلت ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ﴾؟
أما مادة (ردد) فمعناها الاشتقاقي: صَدُّ استرسال ما يمتد أو ينتشر فينعكس اتجاهه.
ومادة (رجع) معناها: تحول عن الاتجاه إلى عكسه. (انظر المعجم الاشتقاقي لألفاظ القرآن الكريم)
وعلى ضوء هذا المعنى فقد قال كلٌّ منهما مقالته بناء على ما مر به في سالف أيامه وسابق أحواله؛
فأما صاحب الجنتين فذيله مسبل في النعماء، لم يذق بعدُ مس الضراء، يرى ماله في وفرة، ونفره في كثرة، فلم يخالجه ريب ﴿أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدًا﴾، ولا أن يعتريها ما يقطع خراجها أو يصد نهرها، فجاءت مقالته طباقا لحالته، موافقة لسوء مَظِنَّته ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ﴾ ليفيد استبعاده لوجود ما يصد هذا الاسترسال.
وأما الآخر؛ فقد ذاق الرحمة بعد مس الشدة، فقد رجع من حال إلى ضدها، لذا عبر بقول ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ﴾ الذي يفيد استبعاد ظنه أن يتحول من الدنيا بعد الفناء إلي عكسها من الخلود في دار البقاء.
المسألة الرابعة
﴿وَخَيۡرٌ أَمَلًا﴾ - ﴿وَخَيۡرٌ مَّرَدًّا﴾
ورد في الكهف قوله تعالى:﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيۡرٌ أَمَلًا46﴾،
وفي مريم: ﴿وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيۡرٌ مَّرَدًّا76﴾،
فما وجه تخصيص الكهف بالأمل، ومريم بالمردَ؟
أما مادة (أمل) فمعناها الاشتقاقي يدل على: امتداد الشىء.
ومعناها في الآية: ما يرجى تحصيله في المستقبل، فهو رغبة ممتدة في زمان ممتد.
فلما كان أحد مقاصد سورة الكهف تحذير العباد من الافتتان بزهرة الدنيا وحضهم على قطع آمالهم منها، وضرب لها مثلا ينفر ذوو العقول عنها مع تصحيح عوج القصد ببيان أن الذي ينبغي على الإنسان أن يؤمله هو ما يقدمه من الصالحات بين يدى آخرته، ناسب ذلك لفظ "أملا".
وأما كلمة (مرد) فمادتها (ردد)، ومعناها الاشتقاقي: صد استرسال ما يمتد أو ينتشر، فينعكس اتجاهه.
وقد ناسب هذا اللفظ آية مريم لِمَا تقدمها من قوله تعالى ﴿وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا66﴾، ومعنى هذه الآية في ضوء اشتقاق مادة ردد: استبعاد الإنسان وإنكاره –بصيغة الاستفام- لوجود حياة بعد الموت، وهو ما يدل على معنى الاسترسال في الفناء بحيث لا يأتي ما يصد هذا الاسترسال من حياة أو بعث، فلذا ناسبها لفظ (مردا).
...والله أعلم...
المسألة الخامسة
﴿إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّا﴾ - ﴿إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّا﴾
ورد في سورة الكهف قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلًا55﴾،
وفي الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا94﴾،
فما وجه زيادة ﴿وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ﴾ بآية الكهف؟
اختلفت لاختلاف متعلق كل آية؛ أما آية الإسراء فمقصدها البيان والرد على حجة امتناع الناس عن قبول الهدى لكونه على يد بشر، وعليه؛ جاء الرد عليهم بحتمية المجانسة لحصول المؤانسة، ولإقامة الحجة عليهم في استطاعة القيام بالتكاليف بالمماثلة بينهم وبين الرسول من حيث البشرية.
وأما آية الكهف فمتعلقة بطلب الجاحدين لتعجيل العذاب وحلول سنة الأولين، وإنما يدفع العذاب لزوم الإيمان ودوام الاستغفار، كقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ33﴾، فزيدت لفظة الاستغفار في موضع الكهف لأن المقام مقام بيان تأخير العقوبة عنهم بعد استحقاقهم لها.
...والله أعلم...
المسألة السادسة
﴿فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا﴾ - ﴿ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَا﴾
ورد في سورة الكهف قوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ ....57﴾،
وفي السجدة: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ22﴾،
فما وجه العطف بالفاء في الكهف، وبثم في السجدة؟
عطف – والله اعلم – في الكهف بالفاء التي مفادها الترتيب والتعقيب، لأنها في معرض بيان حال ومقال الكافرين وقت مجىء الرسل لتذكرهم، وهو ما دل عليه قوله سبحانه ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلًا55﴾ فلفظة (إِذۡ جَآءَهُمُ) تعني : وقت أن جاءهم، أى في الحال بلا تأخر، فناسبها الفاء ههنا.
وأما موضع السجدة فتقدمه قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ21﴾ والعذاب الأدنى هو ما يحل بهم في الدنيا من نكبات وشدائد تردهم إلى رشدهم، وتحملهم على إعادة النظر في أحوالهم، ولا شك أن هذا يقتضي زمنا لحصول التفكر وإثمار التذكر، لذا ناسب هذا الموضع لفظ (ثم)، وكذلك لما ختمت السجدة بقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ٢٨ قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ 29 فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ30﴾ والانتظار هو ترقب حصول الشىء بعد مضى وقت، مع استفهامهم بلفظ (متى) الذي يشير إلى استئخارهم واستبعادهم كون هذا الفصل (الفتح) كائنا؛ وعليه كان لفظ (ثم) ههنا أليق بالسياق.
...والله أعلم...
المسألة السابعة
﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِ﴾ - ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِ﴾
ورد في سورة الكهف قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِ ۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلًا58﴾،
وفي سورة الأنعام: ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ133﴾.....
والوجه –والله أعلم- أن آية الأنعام تقدمها قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْۚ﴾، وبعدها ﴿قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٌ﴾، فكان اسم (الغني) في هذا الموضع دال على أنه سبحانه لا يضره كفر كافر، ولا تنفعه طاعة مطيع؛ كقوله سبحانه: ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَا﴾، وقوله: ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡ﴾، فإمهاله لهم وحلمه عليهم ليس لافتقار منه سبحانه إليهم ولكن رحمة منه بهم مع مطلق غناه عنهم، لذا عقب بقوله:
﴿إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ133﴾.
وكذلك اسم "الغنى" في موضع الأنعام يتسق مع ما سيأتي ذكره بعد هذه الآية مباشرة من قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ١٣٦﴾، ففي ورود اسم "الغنى" في هذا السياق رد على ظالم قسمتهم، وتعجيب من جائر فعلتهم، فكيف -وهو الذي خلق الحرث والأنعام ﴿جَمِيعًا مِّنۡهُ﴾- كيف تجعلون له فيما خلق شريكًا؟!! ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعۡرُوشَٰتٍ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٍ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۚ .....١٤١ وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرۡشًاۚ﴾
لذا لما ذكر إشراكهم ناسبه مقابلته باسم "الغني" ، كحديث "أنا أغنى الشركاء عن الشرك".
أما آية الكهف فاختصت باسم "الغفور" لأن المقام مقام تأخير العقوبة عنهم مع استحقاقهم إياها، لذا عقبت بقوله سبحانه: ﴿لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ﴾.
المسألة الثامنة
﴿سَرَبًا﴾ - ﴿عَجَبًا﴾
وصف سبيل الحوت في سورة الكهف مرة بقوله سبحانه ﴿ فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبًا٦١﴾
وبعدها بقوله ﴿وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبًا٦٣﴾.....
ووجه ذلك على ما رواه الإمام البخاري - رحمه الله – في الصحيح، من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال:.....فانسل الحوت من المكتل فاتخذ سبيله في البحر سربا، وكان لموسى وفتاه عجبا.... .
قال الإمام الشوكاني في فتح القدير: (وَالسَّرَبُ: النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْأَرْضِ لِلضَّبِّ وَنَحْوِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمْسَكَ جَرْيَةَ الْمَاءِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الْحُوتُ، فَصَارَ كَالطَّاقِ، فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ مَعَ بَقَائِهِ وَانْجِيَابِ الْمَاءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هُوَ الْكُوَّةُ الْمَحْفُورَةُ فِي الْأَرْضِ.قَالَ الْفَرَّاءُ: لَمَّا وَقَعَ فِي الْمَاءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ فِي الْبَحْرِ فَكَانَ كَالسَّرَبِ). انتهى
فقوله سبحانه (سربا) على اعتبار مسلك الحوت في البحر بالنسبة لنفسه،
وقوله (عجبا) على اعتبار مسلك الحوت في البحر بالنسبة لنبى الله موسى وفتاه يوشع عليهما السلام.
المسألة التاسعة
﴿إِمۡرًا﴾ - ﴿نُّكۡرًا﴾
في سورة الكهف قوله تعالى: ﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيًۡٔا إِمۡرًا٧١﴾،
وبعده قال سبحانه: ﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمًا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسًا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٍ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيًۡٔا نُّكۡرًا٧٤﴾،
فما وجه وصف الشىء في الأولى بالإمر، وفي الثانية بالنكر؟
أما النكر فمعناه: الشديد الصعب،
والإمر هو: المنكر العجيب.
فلفظ الإمر يتفق مع لفظ النكر في معنى الشدة، ويزيد عليه بمعنى التعجب.
وعليه؛ فلما كان خرق السفينة مظنة لقتل أهلها إغراقا؛ اتفق هذا الفعل - من تلك الحيثية في النكر - مع قتل الغلام، وزيد في خرق السفينة معنى التعجب لما رواه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: "..... فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ – بغير أجرة -، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ،
فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟..... " فزيد معنى التعجب لأنه فعل ظاهره الإساءة في مقابلة الإحسان.
...والله أعلم...
المسألة العاشرة
﴿مَا لَمۡ تَسۡتَطِع﴾ - ﴿مَا لَمۡ تَسۡطِع﴾
﴿فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبًا٩٧﴾
ما وجه زيادة التاء من "تستطع" في قوله سبحانه: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا٧٨﴾ مع حذفها من قوله: ﴿ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا٨٢﴾،
وكذلك في قوله عز وجل: ﴿فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبًا٩٧﴾؟
أما التاء فمخرجها يتولد عن ضغط شديد يتأتى منه قطع، وهذا هو تعريف حرف التاء لغة (انظر المعجم الاشتقاقي لألفاظ القرآن الكريم):
أما الضغط الشديد فيكسبها صفة الشدة (التى هى لزوم الحرف لموضعه لقوة الاعتماد عليه في المخرج فينحبس على إثره الصوت)، وهذا الضغط يتبعه ضعف ينتج عنه انفتاح المخرج قليلا تتولد عنه صفة الهمس (التي هى جريان النفس عند النطق بالحرف لضعف الاعتماد على مخرجه)، وهما صفتان متتابعتان زمنيا، يستحيل وقوعهما في آن واحد فتكون الشدة أولا ثم يتبعها الهمس ولا عكس.
والخلاصة أن معنى التاء لغة: ضغط شديد يؤدي إلى قطع.
ومن صفاتها الشدة، ومعناها لغة: القوة،
والهمس، ومعناه لغة: الخفاء.
وعلى ضوء هذه التعريفات يتبين أن زيادة حرف التاء أو حذفه يقصد به الدلالة على الحالة النفسية لنبى الله موسى حيال فعال الخضر عليهما السلام، فزيدت في قوله ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا٧٨﴾ للدلالة على شدة الأمر وخفائه على الكليم الكريم، فلما بينه الخضر زالت الشدة وانكشف الخفاء، فحذفت التاء.
وأما آية الردم...
فتعلقت بفعلين: فعل الظهور وفعل النقب.
ومعنى النقب: خرق نافذ في شىء غليظ يبلغ نهاية سمكه، ولا شك أن إحداثه يتطلب ضغط بشدة وقوة يتأتى منه هذا القطع، وعليه زيدت التاء من قوله ﴿وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبًا﴾ للمجانسة التي بين تعريف التاء وصفاتها وبين فعل النقب.
أما الظهور فهو ضد الخفاء الذي هو صفة لحرف التاء فناسبه الحذف لأجل التضاد بينهما.
...والله أعلم...
المسألة الحادية عشرة
﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ﴾ - ﴿قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ﴾
ورد في سورة الكهف قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلًا صَٰلِحًا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا١١٠﴾،
وفي فصلت: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٌ لِّلۡمُشۡرِكِينَ٦﴾،
وأما الأنبياء فبقوله سبحانه: ﴿قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ١٠٨﴾،
فما وجه إثبات (أَنَاْ بَشَرٌ مِّثۡلُكُمۡ ) في الكهف وفصلت وحذفها من الأنبياء؟
أما سورة الأنبياء فقد ورد في مطلعها قول الجاحدين ﴿هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثۡلُكُمۡۖ﴾ والرد على شبهتهم ودحضها وتقرير بطلانها، مع ما حفلت به السورة الكريمة من ذكر كوكبة من صفوة الأنبياء - عليهم صلوات الله وسلامه - وإقرار بشريتهم، مما أغنى عن إعادته في ختم السورة.
أما آيتا الكهف وفصلت فلم يتقدمهم شىء من ذلك، فناسبهما الإثبات.
...والله أعلم...
وها هى قد تمت بحمد الله أحد عشر كوكبا، نرجو من الله أن يتم نورها، وأن يبارك أثرها
فاللهم يا مَن ليس كمثله شىء،
وله كل شىء، ولا يخفى عليه في الأرض ولا في السماء من شىء
إن وافق القولُ الحقَّ الذي يرضيك فبرحمتك التي وسعت كل شىء
وإن كان خرقا فادَّرِكْهُ بمغفرتك التي لا يتعاظمها شىء
أنت ربنا وربُّ كلِّ شىء
وصلِّ اللهم وسلِّمْ وباركْ على أكرم من أَقَلَّتْهُ الغبراء وأظله الفىء
والحمد لله رب العالمين
نديم فرج خطاب
Comments
Post a Comment